كارثة بيروت: قبل التحقيق وبعده


1 قراءة دقيقة
10 Aug
10Aug

يوم 4 آب (أغسطس)، قبل ساعات من الانفجار الكبير في مرفأ بيروت، قال بنيامين نتانياهو "أصبنا الخليّة، والآن أصبنا أولئك الذين أرسلوها". الخلية هي مجموعة إيرانية الولاء وصلت الى السياج الحدودي في الجولان لوضع عبوات ناسفة، والمعلومات الأولى المسربة نسبتها الى "حزب الله"، لكن رئيس الأركان الإسرائيلي صرّح بعد أيام بأنها "إيرانية". لكن ماذا عنى نتانياهو بقوله "الآن أصبنا"، وهل قصد فقط الردّ على هذه العملية بقصف آخر لمواقع ميليشيات إيران في سوريا، أم أنه كان يلمّح الى عملية جارية "الآن".
قبل ذلك، في 31 تموز (يوليو) الماضي، نُقل عن وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس أنه "أعطى التعليمات بتدمير البنى التحتية في لبنان في حال نفّذ حزب الله هجوماً على إسرائيل". ومعلوم أن "الحزب" توعّد بالرد على مقتل أحد مقاتليه بقصف إسرائيلي على مواقع بالقرب من دمشق (20/07/2020) لكن محاولة الردّ بعد أسبوع انكشفت في مزارع شبعا قبل اكتمالها، وتبعتها محاولة أخرى في الجولان. أراد "الحزب" تغيير ما تسمّى "قواعد الاشتباك"، إلا أن إسرائيل بدت مصممة على منعه ولو بضربة استباقية، وفي سياق الجدل لوّحت مصادرها بأنها لن تردّ بضرب مواقع "الحزب" فحسب بل باستهداف البنية التحتية في لبنان.
لا تكفي هذه المقدّمات لاتهام إسرائيل بتفجير مرفأ بيروت، وهو عصب الاقتصاد و"البنية التحتية" الأهم، لكنها تشير الى وجود احتمال يعتبره الخبراء العسكريون قوياً أو قوياً جداّ لأن يكون صاعق إسرائيلي هو ما فجّر أطنان نيترات الأمونيوم. ويفيد تحليل الخبراء بأن الانفجار الأول، الأصغر، استهدف مخزن ذخيرة (لـ "حزب الله") راحت تتفجّر وتمهّد لكارثة الانفجار الأكبر. بعد أكثر من ساعتين جاء نفي إسرائيلي خافت ومقتضب لأي علاقة بالتفجير، بعدما كان شهود كثيرون بينهم عسكريون قالوا إنهم سمعوا أو رأوا طيراناً في الجو، وإذا صحّ ذلك فلا بدّ أن يكون اسرائيلياً.
لا يستطيع التحقيق "الإداري" اللبناني التطرق الى أي بعد عسكري للانفجار، انطلاقاً من رواية نسجت خلال الساعات التالية: حصل حريق وامتد الى النيترات، وقبله سلسلة مخالفات وتقصير وإهمال بدأت بقصة السفينة "روسوس" وحمولتها الخطيرة (أواخر 2013) وصولاً الى الكارثة. إذاً، فالمذنبون معروفون وموجودون، موظّفون كبار لكنهم أحجار صغيرة تسهل التضحية بها، ويمكن تقديمهم الى الرأي العام المحلي والخارجي للاقتصاص منهم، وبالتالي فلا بعد سياسياً أو أمنياً لـ "الحادث"، كما وصفه الرئيس اللبناني خلال وقفته مع اعلاميين.
استناداً الى هذه الهندسة المسبقة للتحقيق، أمكن للأمين العام لـ "حزب الله" أن يخرج ليقول أولاً إن "لا وجود لحزبه، ولا أسلحة وصواريخ، في المرفأ"، وثانياً إنه يدعم التحقيق المحلي وبرفض كما رفض الرئيس ميشال عون أي تحقيق دولي. فما حدث، بالنسبة الى حسن نصرالله، كان مجرد قضاء وقدر. ما يعني استطراداً أن تتشتّت الحقيقة في متاهات القضاء مسلوب الاستقلالية والارتباطات السياسية للمتهمين المفترضين. هؤلاء المتهمون يعرفون الكثير، ليس عن الانفجار بل عما كان يحدث في المرفأ، وليس فقط عن "تهريبة" النيترات والمستهدفين منها بل عن مجمل أنشطة "حزب الله" في المرفأ، فهل يُسألون الأسئلة الحقيقية وهل يجرؤون على القول.
لا حاجة الى تأكيدٍ أو نفي من نصرالله لمعرفة أي سطوة كانت لحزبه على المرفأ، وأي أفضليات مرور تمتّع بها أتباعه الى الأرصفة والعنابر والأبواب، وبأي سهولة كان يفرّغ السفن ويخزّن "بضاعته" ويتصرّف بها من دون جمارك ولا رقابة ولا مساءلة. كل ذلك يعرفه الجميع، بمن فيهم أجهزة واستخبارات محلية وخارجية. ولأن كل ذلك كان معروفاً لم ينتظر اللبنانيون أي تحقيق ليحمّلوا "الحزب" والدولة التي يهيمن عليها مسؤولية الكارثة، فالتهاون والتراخي إزاء مخزون النيترات نتيجة فساد يحميه "الحزب"، ووجود مواد عسكرية في المرفأ دليل الى تهوّر عرّض هذا المرفق المدني لخطر محلي أو خارجي (- إسرائيلي). دمار المرفأ أصاب كل لبنان لكنها خسارة فادحة كانت جهات كثيرة ترغب بإنزالها بـ "الحزب" حتى لو أخذت اللبنانيين ولبنان بجريرته.
وحده تحقيق دولي مستقلّ يستطيع، إذا توفّرت حماية للمتهمين والشهود، أن يكشف الحقائق ويتّسم بالشفافية، فلا ثقة بـ "الدولة" الواقعة في قبضة "حزب الله" وبتحقيقاتها، بل لا ثقة بتسلّمها المساعدات الانسانية. مَن يعيّرون المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري بأنها استغرقت نحو خمسة عشر عاماً ولن تتمكّن من تحديد الجهة المسؤولة عن الجريمة، بل ستدين غيابياً عدداً من الأفراد، لماذا؟ لأن الجهة التي ينتمون إليها، أي "حزب الله"، لم تتعاون في أي مرحلة. أما في جريمة مرفأ بيروت فقد سارع نصرالله الى النأي بحزبه عن أي تورّط، أي أنه نأى به عن التحقيق.
هذا جانب من "السيستم" الذي طالب الرئيس الفرنسي بتغييره. وإذا كانت الدولة فقدت المرفأ لشهور أو لسنوات، لأنها أهملت المطالبات الدولية بإخراج "حزب الله" منه وإحكام السيطرة عليه لضبط مداخيله، فهل ستتمكن من إنشاء أوضاع موثوق بها في المرافئ البديلة (طرابلس، صيدا...) التي سيُعتمد عليها موقتاً أم أن "الحزب" سبقها إليها ليقيم حال مجازفة قد تؤدي الى تدميرها؟
لا يُراد للتحقيق المحلي أن يشير الى هجوم إسرائيلي محتمل بأسلحة ذكية أو بغيرها. فلا الدولة ولا "حزب الله" يرغبان في الغرق في مسألة الردّ على العدوان، لكن "الحزب" مدرك الآن أن "الرسالة" التي تلقّاها تفرض عليه إعادة النظر في "قواعد الاشتباك" مع العدو لأنه سيواجه تغييراً في "قواعد الاشتباك" مع الداخل الذي يتهمه بالمسؤولية عن مسار طويل من التهوّر أدّى الى الكارثة.