قراءة لديوان " لا جناح لي " للشاعر والناقد الأدبي : جميل داري ( سوريا)


2 قراءة دقيقة
26 Feb
26Feb

من إصدارات دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، لعام (2020م). الطبعة الأولى  إعداد دكتورة أمل علمي بورشك 23/12/2020م       أكتب كلماتي كقارئة تمعنت في إصدار شاعر حقيقي غني عن التعريف ، كلماته ثرية بالمخزون اللغوي ، والصور الجذابة ، و تشير إلى إبداع  تفجر وتطور بفعل ما عايشه و واكبه  في الحياة ، فترجم مضمون النظرية البنائية  في تكوين المعرفة والبحث عن الحقيقة ، و التي  تعتمد على الخبرات الحسية ، فتنامت موهبة الشاعر  بفعل معرفته المستفيضة و تجربته الحية ، ولازالت لديه القدرة على العطاء وبقوة ، و ببصمة تنفرد بشخصه الكريم .     يكتب ما يراه و يحسه و يتلمسه على أرض الواقع ، و يكتب  ليحيا بدواوينه ، التي تطلق معانيها من أعماقه المبنية على قاعدة ثقافية  وحسية قوية ، وبأصالة اتجاهاته  الشعرية ، و قدرته المميزة على الابتكار في مختلف أغراضه الشعرية ، لما يتمتع به من فصاحة لغوية .    كقارئة لديوان " لا جناح لي" للناقد الأدبي والشاعر جميل داري ، والذي سطر عنوانه بخط كبير على صفحة الغلاف الأولى ، فوق لوحة فنية محددة بإطار أسود رفيع كالخيط ، احتوت على بقايا أشياء متناثرة ، رسمت بضربات فرشاة لفنان أتقن مزج الألوان وحرص على تمازجها ونقائها في آن واحد ، وإلى أعلى يمين الصورة ، إطار نافذة سليم ، خارجه  جزء علوي لإنسان غير محدد الملامح .     وبين الألوان القاتمة والمائلة إلى البني الغامق  بشكل عام ، توشحت اللوحة ضربات فنية بلون وردي ، وأصفر فأنارت جزءا من اللوحة ، فتأسرك النافذة السليمة ، واللمسات الفنية النابضة بالحس المرهف ، فتحاول أن تتعرف على ما فيها ، فقد أراها امرأة مجردة من كل شيء ، أو قد تكون هياكل لأجنحة  لم تجد من يوظفها ، فهي أقرب إلى أشلاء أو حطام غير معرف  .ومن عالم الفن أتعمق في إنارات سطرت على  الغلاف الأخير ، تدلي بجمالية الموهبة والطاقة المتجددة ومعادلة الحب الثابتة من الأستاذة والكاتبة اللبنانية  " فاطمة قبيسي " .ثم أسترسل في مقدمة من الدكتور أحمد فراج العجمي ، لأغور في عمق كلماته عن كاتبنا المبدع " جميل داري " ، الباحث عن كوة يفلت منها طيور الأمل، لترشده إلى عالم أفضل مما هو فيه ، فالواقع مدمر ، والغربة تحيط به من كل مكان ، ونفسه منفيه إلى أقصى بعد داخلي متعارف عليه .فأصدر ديوانه " لا جناح لي " ، لينطلق بطريقته الخاصة كمبدع يمتلك زمام الكلمة وإضاءة الحرف ، مختارا  سبعين عنوانا منوعا بين حلم ، وآه ، وحنين ....، وتساؤلات كثيرة  مثل كيف ؟ , و من أنا ؟، وأسئلة لا تعني سواي ، ومناداة على " أيها الخابور !!!" ، ولا يخلو ديوانه من أبجدية الحب ، وابتهال إلى الله  ، ودعاء .   فتبدأ القراءة ، لتستوقفك الكلمات ومعانيها المشبعة بالألم والإحباط بدءا من حواره مع الأنا وحتى يطال كل ما حوله  من أطلال .يتصف شاعرنا " جميل داري " بكثير من الجرأة في جدة أفكاره وجزالة لفظه و قوة معانيه ، وديمومة التأمل في كل ما يحس به  ، فأقتبس بعضا من عباراته الشعرية ذات الفلسفة والحكمة فيقول في " لاجناح لي ":

خذيني إلى أي منفى

 فقد ضاق

 ضاق الوطن

 ولا تخبري عن مكاني الزمن ....

وفي " حلم" 

وأحلم أن ألم الريح حولي ...

وتاريخي خسارات حبالى

 وينبوعي سراب في سراب

 فتتلمس الواقع المؤلم في كلماته المختزلة ، وإيحاءاته المعبرة ، التي يستمد منها  خطوطه الابداعية بالتجول في ذاكرته الروحية والنفسية والحياتية المعاشة ، فتجده عاطفيا ووطنيا وسياسيا واجتماعيا ، مع التنويه لطموحاته بين الحين والآخر .كما في  " ملاك" :

رفرفة النحلة 

فوق فمي 

حلم ناء 

وخيال أنأى 

بهما أحيا ، دونهما عدمي 

وهطلت على وكنت يبابا

 أحييت مواتي

 حلقت بروحي نحو القمم .

ولشاعرنا المبدع  رؤية محددة تجاه نفسه وتجاه العالم ، ينقد ما يراه ، كما في " ومضات " :

الحب كبير 

واللغة صغيرة

 الموت كبير 

واللغة صغيرة

أيتها اللغة الصغيرة تنحي جانبا ...

ويكمل ....

الشجرة التي  كنت أرسمهابخيالي

اجتثها الحطابون

 وهاهم يحتفلون بعيد الشجرة

 ويتحاور مع نفسه .....

لا أستطيع حمل نفسي

 وكنت يوما ما أحمل العالم

 عشت في امتداد الخيال 

أكثر من العيش في ضيق الواقع

 ولهذا امتد بي الشعر 

خرج ديوانه من نبض الحياة المعاصرة ، و حرص على أن يغلفه بموسيقى حزينة .

ظمأ هناك

دم هنا 

فجميع أسلحة الدمار لنا ، لنا

 القاتل الفرحان يمشي في الجنازة

 والقتيل على مدامعه انحنى

 بيروت ذاكرة القصيدة

 موجة دموية

 روح من الأقمار

 مطفئة المنى

 أما  الجزيرة فالهواء ملوث

 والماء من فرط الغياب

 غيابه وغيابنا 

أحيا الكلاب ، أماتنا .

تفرد الشاعر بأسلوبه الخاص ، الذي يحيي التعايش مع كلماته الشعرية لدى القاريء فيعمل على إعمال عقله ، وينير مساحاته الفكرية ، فكلماته ليست مباشرة ، فعندما يتذوقها قارئ الشعر، يجد تجدد ذائقتها  قراءة بعد قراءة ، فيحلل ، ويستنتج أبعاد هذه المعاني والمفردات ليبحث عن إجابات شافية  على تساؤلات الشاعر الفكرية ، " فهو أسلوب تعليمي محفز للتفكير " وكيف لا، وهو المعلم القيادي بالفطرة ، وكمثال لا للحصر ،  وفي أسئلة لا تعني سواي :

لا غابة في روحي

 فلماذا هي خضراء

 لا أرض أسير عليها ولا ماء

 أتوهم أني أصنع أشيائي 

ماذا لو ضاعت مني الأشياء ؟

فهنا الاستخفاف الضمني والتساؤل يحاكي كل نفس بشرية ، ويكمل لا صوت سوى صوتي

 من أين اجتمعت حولي هذه الأصداء ؟

في جسدي روحان 

لماذا تقتتلان على جسدي / الأشلاء ؟

من مطر أبيض أحلامي

 فلماذا غاباتي سوداء 

يبتديء الفجر لدي مساء 

ماذا لو يبدأ فجري دون مساء ؟

فتجده يتناول تجارب ثرية ، فيصفها ويحاور نفسه ويوحي للقراء  بالإجابة على تساؤلاته ، التي  ليست عصية على الفهم " استراتيجية تعليمية متخصصة في تعزيز الفهم لدى المتعلم .التصاوير الشعرية كثيرة ، ولكنها تجلت  في " نجني "ونعود للماضي نقشر جلده .. 

فحياتنا مكتظة

 لكنما لسنا نرى فيها أحد 

إن التوحش مبدأ

فإذا رأيت نقيضه 

فاعلم بأن الأمر جد

 أما المشاعر والأحاسيس والعواطف الجياشة فلا حدود لها ، فهي نابعة من واقعه الأصيل والذي  يتفرع منه خيال شاعرنا  المتكيء على العاطفة ، ففي الرؤى :

قلت للحب سر ورائي  قليلا 

قال لي : قائد أنا .. فاتبعني 

للأعاصيرقلت : مهلا خذيني 

لم أقل قبلها لشيء خذني 

أزرع الوقت في الرماد وأجني

 أي خيط به أخيط خيالي 

أي إنس يعينني ، أي جن .

مهما كتبت لن أوفي الشاعر حقه ، فهو معلم أصيل ، و مهما اختصرت في مضمون كلماتي لن  أستطيع الاختصار والاختزال مثله فهو شاعر فنان ، وأشعر بالتقصير تجاه أفكاره ، ولكن لابد أن أتوقف أمام شاعرنا المميز بحكمته ، وجزالة لفظه وحسن صياغته وصنعه وقوة تعبيره وصوره الشعرية الرائعة .لأختم قائلة : لقد ترجمت إحساسك بالكلمات والحروف ونثرت شعيرات ريشتك الشعرية  في الفضاء  ، فأتقنت تحديد الخطوط الخارجية لمواضيعك ، وأطلقت العنان لخيال شعرك ، فرافقتك كقارئة ، فعكست سعة اطلاعك بالقرار الحاسم في اختيار قوة حروفك المضيئة على قراءاتي .ضخخت فكرا نقيا عبر كلماتك ، التي غلفتها بعبير روحك الطيبة ، فأحاطها الاحساس المرهف بذائقة عميقة ، ممزوجة بالنقد المتمرس بالحياة وفنون الكلام ، فكنت فريدا في شعرك ، ويعود ذلك لتفرد بنائك الشخصي ، والفلسفي :

 فتقول في " لديني : " :أذكر أنني شممت الفراشات .

شاهدت أقفاص

 وقتي لقد جاءت كلماتك مناسبة لقراء الألفية الثالثة ، العازفون عن القراءة ، فقدمت لهم شعرا بني على نقطة ارتكاز لحفظ توازنهم وهي العدالة ، و لتحقق لهم الاتزان الحياتي .في كل كلمة من أشعارك طاقة مكنونة ، ما ألبث أن أعود إليها ، إلا وأجد نفسي أمام سلسلة من المعاني  التي لا حصر له . فلم تترك فضاء إلا وطرقته وجمال روحي ساد  في كل طرحك الشعري ، فاتجاهاتك جريئة وجميلة تحاكي نفس القاريء ، وفي مضامينها قوة تقاوم الزمن وتستمر على امتداده ، مليئة بالتجربة والحس الفني .وتحول مرارة العدم والبؤس إلى قوة الحضور بلغتك المتفردة ، وأفكارك الراقية وما تحمله من قيم أصيلة  تجاه اللغة والهوية العربية ، فتميزت بالبوحالصادق والاحساس الرقيق والأسلوب المشوق .بارك الله فيك وفي علمك ونفع به الأمة .

وبانتظار المزيد من دواوينك  .

مع كل الاحترام 

أمل علمي بورشك 

23/12 2020م