قراءة في قصيدة (لا تسافر) للشاعر عبدالحكيم الزبيدي


4 قراءة دقيقة
11 Oct
11Oct

صدر عن دار رواشن في الإمارات مؤخّرًا ديوان شعر بعنوان (مرايا لا تعكس) للشاعر الإماراتي عبد الحكيم الزبيدي، لكنّني لم أطلّع عليه للأسف، غير أنّي قرأت منه قصيدة منشورة في أحد المواقع الثقافيّة، عنوانها (لا تسافر)، فكانت لي هذه القراءة السريعة.

الموت لا يحسن آداب الزيارة، فهو يأتي دون موعد سابق، يسلبنا أعزّ ما نملك هازئًا بأحلامنا وأمانينا، مخلّفاً وراءه فراغاً لا يمكن ملؤه، وفقد وروح محنية.

المرأة كانت، وما زالت الشغل الشاغل للشعراء، لا تكاد تخلو قصيدة منها، والمرأة في قصيدة الزبيدي قد تكون هي الحبيبة أو الزوجة أو الأم أو الجدّة التي تمثّل جذور الكاتب التي تربطه بأرضه ووطنه، هي تاريخه، وهنا تمثّلّ كلّ ما يملك الإنسان من وطن بل هي الوطن.

 إنّ المعاناة من هجرة الشباب القسريّة أو الإراديّة للعلم أو للعمل، هذا الوطن ننسلخ عنه، ولا ينسلخ منا. 

"لا تسافر" عبارة عن حوار وجدانيّ عميق افتتحه الشاعر بهذا العتاب الرقيق، همسات امرأة يناشده قائلاً:

لا تُسافِرْ.

أنتَ إن تمضِ أمُتْ بعدَكَ

لا أسطيعُ أن أحيا ولا قلبي بِقادِرْ.

لا تُسافِرْ.

ابقَ جنبي 

نقتطفْ في هدأة الليلِ العناقيدَ

وللنَّجمِ نُسامِرْ.

لا تُسافِرْ.


باقي القصيدة حوار داخليّ يعتبر أقوى شعريّاً من الحوار المباشر، كلما كبر الوجع صعب التعبير عنه بالكلمات، لأنّ ما يدور في أرواحنا أكبر من التعبير، فتصمت الأفواه، ويتحجّر ماء العين من هول الخطب الجلل. 

هذه القصيدة العشقيّة التي يغلب عليها طابع الألم والوحشة، وفلسفة الغربة والحياة، وحبّ المغامرة في النفس الإنسانيّة ما هي إلّا نموذج مصغّر لما يجري مع شبّان بلادنا الذين اختاروا، أو أُجبروا على الرحيل تاركين خلفهم أحبّاء يمنّون النفس بجمع ثروة وعودة لأحضان الوطن المسلوب، وحقيبة تحتوى بقايا عطر، وذكرى تؤنس وحشة شاعر يسير على طرقات السراب، يحاول أن يفهم أسرار الوجود، ويفقه معنى ما يدور حوله، فيغرق في دوّامة فلسفيّة وجوديّة تنتهى بكلمة البداية: "لا تسافرْ"  وكأنّ فيها من الندم الكافي للاعتذار من روح تلك التي طواها الموت بين ثنايا التراب.

في عوالم الشعر تستنهض المشاعر والأفكار والهواجس والرؤى مع تجلّيات الواقع حيث يكون التجسيد على آفاق بعيدة وقريبة في نفس الوقت رغم المباشرة التي تتجلّى بين حين وآخر في الصور الشعريّة وتراكيبها.

يقول جبران:

(أنا لا أبدل أحزان قلبي بأفراح الناس، ولا أرضى أن تنقلب الدموع التي تستدرّها الكآبة من جوارحي، وتصير ضحكاً. أتمنّى أن تبقى حياتي دمعة وابتسامة، دمعة تطهّر قلبي، وتفهمني أسرار الحياة وغامضها، وابتسامة تدنيني من أبناء بجدتي، وتكون رمز تمجيدي للإله، دمعة أشارك بها منسحقي القلب، وابتسامة تكون عنوان فرحي بوجودي.)

بينما يخطّ الشاعر كلماته، ويشقّ قلمه الورق كان هذا القلم ذاته يشقّ روحه وهو في صراع داخليّ ما بين نفسه والواقع، مصوّباً سهمه نحو صدر القارئ الذي تأخذه الكلمات من بداية القصيدة، ودهشة التعبير برغم بساطة المفردات طارحاً قضيّة مصيريّة نتقابل معها كلّ يوم في العالم العربيّ الذي يتخبّط في وحول التهجير والغربة. إشكاليّة واختيار ما بين البقاء والرحيل، الموت والحياة.

 "لا تسافر" عنوان بل رجاء، كم مرة سمعناها تتردّد من ثغر نحبّه ويحبّنا، وكم مرة ضربنا بعرض الحائط تلك الكلمة، ومضينا في طريقنا غافلين عن النتائج، وحين استيقظنا كان قد فات الأوان. قصيدة حواريّة بين ذات الشاعر وضميره، وبين تلك الأنثى التي تحبّه وما تمثل لذلك الشاب في مقتبل العمر، المرأة صوت الضمير، صوت الوطن، صوت الحبّ. 

لو أتيح للإنسان أن يعرف نتيجة بعض القرارات التي اتّخذها في ساعة ما لتجنب مآسي كثيرة، وانسحاق روحه وروح من يحبّه وينتظره، لكن أنَّى لإنسان مجبول بالمغامرة وحبّ الاستطلاع والهجرة أن تثنيه عبارة: "لا تسافر"؟

 من أعماق روح تستدرّ عطف الحبيب بنشيج ترجوه ألّا يسافر، كآبة تعتصر نفسها فتنهمر نارٌ من مقلتيها، هي وحدها تعلم التأثير البعيد لهذا السفر:

       أطرقت حَيرى

وقالت والأسى يَعصِرُ خدَّيْها

ويُدمي مُقلتَيْها

لا تُسافِرْ.


إنّ المضيّ في هذه الحياة يحتاج إلى قرارات شجاعة، ويحتاج إلى عزيمة وتصميم، يمضي بها الإنسان دون أن يتأثّر بمحيطه، أو تثبط عزيمته دمعة، تحتاج إلى إرادة فولاذيّة. من يستطيع أن يسمع هذا النحيب ويمضي غير آبه، يعطي الظهر مدبراً؟ إنّ الحوار الذي أطلعنا الشاعر عليه يرينا رغبته في البقاء ليقطف الحبّ، ويسير في هدأة الليل، يده تتأبط يدها يقطف عناقيد الحياة وهي إلى جانبه يرقبان انبثاق الفجر في كروم الحياة، ويقطفان عناقيد اللذة، يتبادلان أسرار المحبّة العلويّة، ويستندان إلى بعضهما، لكن لا بدّ أن يسافر. إنّ أسباب السفر والهجرة في بلاد الشرق عديدة، منها السياسيّة والحياتية والاختلاف الذي يؤدي إلى اضطهاد فئة معينة، لا نعرف ما سبب سفر شاعرنا هنا، ربما للدراسة أو هو سفر إلى روحه، لا إلى مكان آخر، وهذه الغربة النفسيّة هي أصعبها، يصبح الإنسان غريباً عن نفسه تناجيه ولا يصغي إليها، تناديه وهو ممعن في التجاهل، ومن عبثيّة الأقدار أنّ مسامرة النفس والإصغاء إليها هي الدواء الشافي للروح:

أنتَ إن تمضِ أمُتْ بعدَكَ

لا أسطيعُ أن أحيا ولا قلبي بِقادِرْ.

لا تُسافِرْ.

ابقَ جنبي 

نقتطفْ في هدأة الليلِ العناقيدَ

وللنَّجمِ نُسامِرْ.

لا تُسافِرْ .

آه لو تَعلمُ 

كم أشتاقُ أن أبقى

وكم أهوى المُنى 

حولي تَناثرْ.

غيرَ أنِّي قَدَري الغُربةُ

أن أمضي

وحظيِّ أن أهاجِرْ.

لا تُسافِرْ!

ليتني أسطيعُ أن أبقى 

لمَن كانت مُنى الدُّنيا مُجاوِرْ .


أمام هذا التصميم على السفر لا يسع هذه الروح المتوجّعة إلّا الإذعان والخضوع للرغبة القويّة في السفر، يطلب منها بعض الذكرى ، وإن كانت الذكرى تحرق كالمجامر، تشبه أمّاً ثكلى تنادي وحيدها، ولا يرجع إليها إلّا الصدى، وعاشقة تناجي حبيبها فتوصد الأبواب بوجهها، تسقي أسرجة الليل من دمعها لئلا تنطفئ، ويضيع المنتظر في طريق العودة، وهل يعوض الورق الدم واللحم؟

اعطِني ذكراكِ أحمِلْها معي

في فؤادي

بين أحشائي

يَظلُّ العِطرُ يَندى كالمجامِرْ.

لم تُجِبْني

إنَّما قالت وقد ولَّت بعيداً

لا تُسافِرْ.

ومضيتُ ..


لقد توقفت طويلا عند هذه الكلمة "ومضيتُ" وسمعت صوت محمود درويش يلقيها "مضيتَ وكأنما أعجبك الفراق، لكنني ما زلت أنتظرك في الموعد السنويّ، لم أسجّل اسمك في قوائم الهجران".

 أغنية نهاوندية في هذه الكلمة "ومضيتُ" كم من حبيب مضى، كسر بيده كأس الأمل، وأوقد ناراً لا تنطفئ. ما أقسى أن تُثقل العيون بخمرة الفراق، يكحلها ملح الكرى، وينطفئ سراجها، وهي تحدّق بالمدى الواسع أمامها تبحث عن طيف، تنحرنا حكايات الانتظار والرحيل "من الوريد إلى الوريد".

ما أبعد أفكار الإنسان عن أخيه الانسان، وما أبعد أفكار الرجل عن المرأة، وما أشقاهما حين لا تتّفق الأرواح والأفكار كي تتلاقى الأجساد، فيأتي هذا الردّ البارد، ويا لسخرية الأقدار، يمسح دمعه، ويسافر نحو المغامرة، هل حقاً كان عاجزاً عن اتخاذ القرار، ولم يكن بيده القرار؟ سؤال يبقى في قلب الشاعر الذي لم يفصح إلّا عن دمعة وصوت برغم رقته فيه زلزلة وبركان هادر:

..

لم يكُنْ لي من خَيارٍ غيرَ أن أمضي

وأن أمسحَ دمعي وأُغامِرْ.

لا تُسافِرْ!

صوتُها ينسابُ في أُذْنِيَ رَقراقاً

يُدويِّ مِثلما النَّاقوسُ هادِرْ.

لا تُسافِرْ .

ومَضت مِنِّي السُّنونُ الخُضرُ ..


 شباب العمر مضى في غربة مرّة، وناءت به النوائب، دهر لا يرحم، سفر وشنطة خجولة مليئة بعطر صوت قربان في غربة كالحة جرداء خربة. إنّ الفراق أشبه بمجاعة تضرب الروح فينوء تحت أثقال التشرذم، تقوده الآمال فلا يحصد إلّا الخيبات، وتصبح الأماني مذلة. 

..

دارت مِن حَواليَّ الدَّوائِرْ

لم أصادِفْ مُنذُ فارقتُكِ

إلا غُربةً

عشتُ فيها حائِراً ..


إنّ الغربة غربتان غربة روح وغربة وطن، ودوّامة حظ مظلمة يسير فيها الإنسان على غير هدى، ومن يبني الأمل على الحظّ يتعثّر، وتكسره الخيبة:

..

والحَظُّ عاثِرْ.

أمضغُ الشَّكوى

وأتلو رَجْعَ أنَّاتي

وأقتاتُ المشاعِرْ.

لا تُسافِرْ!


 يا لهذه الصورة البليغة أن تصبح الشكوى والوجع القوت اليوميّ للإنسان يمضغه على مدار الساعة، الغربة مجاعة للنفس، ثقب أسود لا يشبع من تلاوات وصلوات وآهات أنين روح منهكة مكوية بنارها ووجع الشوق:

وأعودُ اليومَ مُشتاقاً

لأرويَ مِن معينِ الحُبِّ أحزاني

وأطفئَ حَرَّ أشواقي

لوجهٍ مثلَ ضوءِ البدرِ سافِرْ.

عُدتُ.. لكِنْ

هل يُصيبُ المَرءَ إلا ما يُحاذِرْ؟

عُدتُ لكِنْ

أينَكِ اليومَ ...؟

وأنَّى ليَ لُقياكِ...؟

وقد ضمَّتْكِ هاتيكَ المقابِرْ.


الابن الضالّ، الحبيب المغامر، ونفس العاشق الغريبة عن ذاتها، عاد مهيض الجناح، يملأ القنوط نفسه، وأشواك العالم تدميه، لقد عاد يجرجر أذيال الخيبة للارتواء من الحبّ الذي تركه من سنين خلفه، بعد أن شققت آبار روحه وحشة الغربة، وجفّ الندى في حدائقه، حيث فضل خرنوب العالم على أطايب الملك، مفضلاً ظلم العالم وظلمته على وجه صبوح، وقدسيّة قلب يحضنه، تنحني أمام جماله الأرواح، لقد تركها وردة تجلس بين أقرانها ريحانة  تتجلّى ينبوع حبّ لا ينضب، عاد ليمشي في الممرّات التي كانت ترجوه أن يمشياها معاً يسترهما الليل، فلم يجد إلّا الهدوء وسكينة القبور التي تسكنها أطياف من نحبّهم، فانبرى متفكراً في فلسفة الحياة، أطال التأمّل في عبثيّة الأقدار، لم يعد هناك صوت يناجيه تداعب نغماته أذنيه، ولم تعد عناقيد الأماني تتدلّى من سقف الأحلام، بل هنا حفرة من سراب يقذفه عالياً ثمّ يرميه على مقبرة تضم رفات من كانت بالأمس مثقلة بالعطر.

 اليوم يوم انعتاق روحها من قيود انتظاره، وحياة مقفرة دونه، لتلتفّ تلك القيود حول عنقه، تخنقه بعد أن كان يمنّي نفسه باللقاء يبكي وحدته، كان يريد أن تضمّ روحه روحها الجميلة، لكن هيهات، فقد سبقه الموت، وضمّت الأرض رفاتها.

قصيدة من قصائد الندى متخمة بالوجع والتأمّل والذكرى، حلق فيها الشاعر بأجنحة من ضياء.

 لذلك تترك في النفس صدىً بعيداً لا تمحوه الأيام.