قراءة في قصيدة "تنحّي، أيّتها اللغةُ الصغيرةُ" للشاعر جميل داري


2 قراءة دقيقة
29 Aug
29Aug

الحبُّ كبيرٌ

واللغةُ صغيرةٌ الموتُ كبيرٌ

واللغةُ صغيرةٌ

أيّتها اللغةُ الصغيرةُ

تنحَّيْ جانباً


سربٌ من الحروف الحرّة تتطاير في فضاء القصيدة، برغم صغر اللغة، لا ريب أنّ الحبّ الذي يحمله في قلبه وقلمه أوسع من اللغة، وأكبر من أن تعبّر عنه حروفها ال ٢٨، أمّا الموت عنده فهو الوجه الآخر لفقدان الحبّ، وفراق كلّ ما هو جميل.

 الغربة موت، والمنفى موت، والحياة موت، فهو أكبر من أيّ تعبير، فلا يسع الشاعر عند تعثّر اللغة وتقصيرها عمّا يخالج روحه إلّا أن يناشدها أن تتنحّى جانباً كي يُتاح له التعبير، والعبور بمركبته إلى العالم الأكبر، إلى اللغة الأسمى، إلى الفردوس المفقود:


لديَّ فائضٌ من الليلِ

لا يمحوهُ ألفُ فجرٍ

لقد استوقفني هذا الفائض من الليل، وهل الليل يفيض عن حاجة الإنسان؟ وعن الحدود التي رُسمت له؟ نعم، فإنّ ليل الشاعر مختلف عن ليل الشعراء الذين يتغنّون بسكونه وسكينته، ليس هو الليل المادّيّ والعاديّ الذي لدى كلّ البشر بل هو النهر الهادر الذي يجرف معه كلّ ما هو قريب من القلب.

 ليلٌ يتمثّل في الوحدة الموحّشة، اليأس والحسرة، ليل يحمل في طيّاته الأسى والخيبة، ماتت فيه الأحلام، واختنقت الأماني بخرير عتمته الحالكة.

 هل يكفي الفجر بكلّ جماله لغسل سواد الليل، ومسح وجعه، وإزالة أشباحه؟

  لا، ألف فجر لا يستطيع أن يسكت عويله وصريره.  

ليل الشاعر "ليل نابغيّ" في الهمّ والغمّ والشدّة والأرق.

إذا كان النابغة الذبيانيّ وصف ليلة من لياليه حين غضب النُّعمانُ عليه فإنّ شاعرنا هنا في ليل دائم، وأمام عينيه ألف نعمان ونعمان.


الشّجرةُ التي كنتُ أرسمُها بخيالي

اجتثَّها الحطّابونَ

وها هم يحتفلونَ بعيدِ الشّجرةِ

الاحتفال بالشجرة واخضرارها الدائم ما هو إلّا احتفاء بالحياة على مرّ العصور، لكن هذا الليل الذي فرغ من الأحلام، وامتلأ بالكوابيس، ومع إطلالة النهار يسأل الشاعر كيف يعيد رسم الحياة حتى ولو في الخيال بعد أن اجتثّ الحطّابون شجرته، وأنَّى له أن يتفيّأ شجرة الحياة المبتورة، الجافّة؟

 لقد امتصوا عصارة جذعها، ولم تتبقّ لديه حفنة من خضرة تلك الشجرة التي قطعها فأس الظلم، وأضرموا الجهل والجحود في أغصانها، وراحوا يرقصون حولها رقصة الموت، يحتفلون بأعياد الحياة، وأيّ أعياد هذه؟ والإنسان مشظّى الروح، حزمة من حطب لمحرقة مطامعهم وجورهم.

بمعنى آخر كل ما زرعه الشاعر من قيم الحبّ والحرية والكرامة ذهبت أدراج الرياح بفعل هؤلاء الذين يقتلون القتيل، ويمشون في جنازته.

الشجرة هي الحياة، والحطّابون أعداء الحياة.


لا أستطيعُ حملَ نفسي

وكنتُ يوماً ما أحملُ العالمَ


 تلك الروح التي كانت النهر الذي يحمل مراكب المسافرين وهموم الإنسان والإنسانية يمسح بأبجديته جهل الأمّة، لينهض بها نحو الحرّية، أصبح الآن غير قادر حتى على حمل ذاته، بترت أحلامه، مقعد مكبّل بسلاسل المكان والزمان، يمتدّ نحو الرؤى في هذه الصحراء من العجز، سابحاً في عالم الخيال، لأنّ الواقع أصبح لا يُطاق، وضاق عليه، وضاق بقلبه كما ضاقت الأبجدية.

من كان يحمل العالم يشعر بقوته الروحيّة القادرة على المواجهة، ومع الأيام يشعر أنّ تلك القوة وهنت، وعجزت، وهذا يشكّل بؤرة التوتّر العاطفيّ والشعريّ عند شاعرنا. 


عشتُ في امتدادِ الخيالِ

أكثرَ من العيشِ في ضيقِ الواقعِ

ولهذا امتدَّ بي الشّعرُ

لا أعرفُ دقَّ مسمارٍ في حائطٍ

فكيفَ أدقُّ عنقَ المنفى


إنّ الشعر هو الملاذ الذي يلجأ إليه من يحمل قلبه في كفّ، والإنسانية في الكفّ الأخرى حين تقصر اليد عن أن تمدّ تحت سيف القمع والطعن والنطع، فيرى نفسه منفيّاً على جدار الحياة.

 إنّ تجربة الشاعر هنا تتجلّى بوضوح في نصّه هذا، فقد عانى في منفاه، وبالرغم من كلّ ذلك راحت أصابعه تلملم شغاف الوجع والخيبة، لترتق القصيدة بالأمل، لكن خلق الأمل عمليّة إبداعية لا أحد يستطيع أن يخلقها إلّا من هو متمكّن من قلمه.

 هكذا هو الشاعر بالرغم من الكمّ الهائل من اليأس والحقيقة المرّة، وإن كنّا "محكومين بالأمل" أمّا الآن فنحن محكومون باليأس، فالأمل لم يعد يجدي نفعاً مع هذا الكمّ من الفساد، ومع هذا البؤس من حولنا، لا حول لنا ولا قوة.

 العجز شعور بشع جدّا وفتّاك وقاتل. إنه التعبير عن البؤس المدقع في المنفى.

هذا لا يعني أن الشاعر قطع آخر خيوط الأمل، لكنّه يستفزّ الأمل، ويجعله يغار عندما يحتفي هو باليأس، فلا مكان لليأس عند شاعرنا، وإلّا سكت عن الشعر، واعتكف في كهف بعيد لا تهتدي إليه السابلة.


كلُّهمْ خونهْ

ما عدا هذهِ الرّيحَ والمدخنهْ


إنّ الشاعر المسؤول يسعى دائماً وأبداً إلى مجتمع أجمل، لكن بشاعة الواقع تجرف كلّ ما هو جميل، ويبقى الأمل هو ذلك الضوء الذي يعلّق عليه الشاعر أمله بأنّه لا بدّ من نهار جديد يطلع على ثائر اعتاد أن يصطاد الجمال، ويتغذّى عليه، يكتبه، يسقيه، يعلّمه، ويكوّنه برغم قساوة المعاناة، وهل أقسى من الخيانة؟ لا يأتمن الإنسان على أقرب الناس إليه؟ إنّ الشاعر أكثر من غيره يتأثّر بزيف المجتمعات، ويفترسه وجع الخيانة، وتنخر عظامه، فيرى كلّ ما حوله خائناً، ولم يتبقّ له سوى الريح، ومن يستطيع أن يقبض على الريح والدخان، هذه التي لا نعرف من أين تأتي، ولا إلى أين تذهب، يركن إليها الشاعر وإلى خيوط المدخنة التي تجترّها الريح، فتضيع في السحاب. إذن إنّ الكلّ باطل وقبض الريح، ولا منفعة تحت الشمس.

 تنتفض روح الشاعر الثائر المتمرّد، وكأن جبران ينتفض على الظلم في مجتمعه، يدعو إلى الحياة والثورة، ولا يدع الاستسلام يتسلّل إلى قلبه بل ينتفض بيده ويراعه ومن أصابعه تنساب حروف تبثّ الحياة في حطام العالم من حوله.

 "موجة كن" فالموج حرّ ودائم التجدّد ودائم الشوق، يقشط الزبد الميت على الشاطئ في دورة لا تنتهى، ومن استطاع أن يحدّد دورة حياته امتلكها:


موجةً كنْ، وحدِّدْ جهاتِكْ

لا تكنْ زبداً ميّتاً في حياتِكْ

...

أن تكونَ كما أنتَ قد تستفزُّ الآخرينْ

استفزَّ، فلستَ بتمثالِ ماءٍ وطينْ


شاعر يمتلك أدواته له سلطان على اللغة، ينهرها في سطر، وفي آخر يجعلها طوع أمره. ينساب دمه على ما آلت إليه الحال من بؤس وغدر وخيانة.

 إنّ الماء والطين لا يصنعان الإنسان الكامل، وإن كنّا من التراب وإلى التراب نعود، لكنّ الشاعر نفخ من روحه، ومن أنفاسه في هذا الصلصال يستفزّه، ويعطيه الحياة،

يستلّ الكلمة، ويعتلي الموج وصهوة الريح، ويمسك بزمام حياته، يهطل مثل المطر المتأخّر على أرض عطشى، يطلّ على الغد، يزرع صحارى الزمن بالبنفسج والأمل، يستفزّ نفسه والآخر ثائراً مناشداً: "كن فيكون".

 أنت من صلصال النصر فانتصر.

قراءة سريعة لقصيدة متفرّعة الأغصان، على كل غصن تتأهّب اللغة على الطيران كما يطير حالم، ويصحو على عالم مهيض الجناح.