عينٌ على أمريكا...انتخابات2020


1 قراءة دقيقة
09 Nov
09Nov

هذه ليست مقاربة "انحياز طبقي" نحو "الرأسمالية المتوحشة" / مع أو ضد/ إنما هي محاولة لتفكيك بعض التراكمات النمطية التي ترسخت في أذهاننا و باتت توجهنا نحو مجمل القضايا التي تؤثر فينا إن كدول و شعوب ، أو كأفراد وجماعات ...
إن الاهتمام العالمي المرافق للانتخابات الرئاسية الأميركية ومنذ مراحله المبكرة لا يأتي من فراغ ، مهما حاول المخالفين إثبات عكس ذلك ، ولن نربط ذلك بنمط العولمة ونمو "أذرع الأخطبوط" الأمريكي ، وسعيه لتصبيغ بقية الجغرافية العالمية بصبغة أمريكية ، إنما للخصوصية التي تتمتع بها كمجتمع تسيد القطبية العالمية شراكة بعد الحرب الكونية الثانية ، وأحادية قطبية بعد إنهيار المنظومة السوفيتية والمعسكر الاشتراكي ردحا من الزمن ، والآن تجد مكانا مميزا لها في النظام العالمي ذو التعددية القطبية ؟!
فالعملية الانتخابية الأمريكية الأخيرة أظهرت زيف الصورة النمطية التي غلفت قناعاتنا لعقود خلت ، ظهر ذلك جليا في عديد النقاط ومنها :
* اللوبي اليهودي وجماعات الضغط : فقد كانت هذه القاعدة من المسلمات بأن المرشح الذي ينال رضا اللوبي اليهودي سيظفر بكرسي الرئاسة ، ولو عدنا إلى شخصية الرئيس ترامپ ، لوجدنا أن ما قدّمه هذا الرئيس للدولة العبرية يفوق بكثير ما قدمه غيره لها ، فقد أحدث خرقا في جدار عملية السلام السلحفاتية وفتح المجال واسعا في ابرام اتفاقيات وتطبيع علاقات مع عدة دول عربية (الإمارات - البحرين - السودان ) وكل الدلائل تشير إلى أن القطار سيسير وفق ما خطط له في مسار محدد في " العهدة الترامپية" وهو الذي أتخذ قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ، اعترافا ضمنيا بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل وإن كان القرار يلزمه خطوة تنفيذية ، مع ذلك فإن اللوبي "خذله - بحسب قناعاتنا " وتركه لمصيره وفاز خصمه ، وسقطت مسلمة أن المرشح المدعوم من منظمة "الآيپاك" / أقوى جماعة ضغط على الكونغرس/ هو الرئيس الذي سيظفر بالتربع على كرسي الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية!!
* الوعي الديمقراطي : أظهرت العملية الانتخابية مدى تجذره في أذهان الناخب الأمريكي ، كان ذلك في عدة مواقف منها ، الإقبال المنقطع النظير على صندوق الصوت والألتفاف حول مراكز التصويت والفرز لمعرفة نتاج صوتهم الذي يعتقدونه حاسما في حدوث عملية التغيير المنشودة ، كذلك أن شخصيات جمهورية بارزة فندوا تصريحات ترامپ ب "حدوث عملية تزوير" أو بأن "الفرز إنتهى" أو إعلانه بأنه "هو الفائز "بأصوات هذه الولاية ، ومباركة وجوه بارزة لخصمه فوزه على ترامب كجورج بوش وغيره ، وعند سؤال الكثيرين باللجوء للعنف لرفض النتيجة كان النفي المطلق إنما الكلمة الفصل ينبغي أن تكون للمحاكم؟
* ساهمت وسائل الإعلام الأمريكية "العريقة عالميا" دورا في إظهار هذا الوعي فعدة وسائل إعلامية محسوبة على الحزب الجمهوري بادروا وكانوا السباقين في إعلان فوز "الخصم الديمقراطي" بأصوات هذه الولاية أو تلك فكانت بحق سلطة رابعة في الانتصار للموضوعية في تغطيتها الإعلامية للحدث؟
* الاستقطاب الذي ظهر في المجتمع الأمريكي في"العهدة الترامپية" القادم من "عالم البورصة و المال" و بين خصمه "بايدن" المتجذر في "عالم السياسة والحكم " وانتصار القيم الأمريكية في النهاية على سطوة المال إنما هو اسقاط جديد للنمطية التي تقود تفكيرنا بأن المال دوما هو المنتصر في معركته مع القيم!
* ليس عبثا أن مفهوم "دولة القانون " ظهر جليا في هذه المعركة الانتخابية وانتصرت للأقليات ، فنائبة الرئيس من هذا الوسط وكانت خصما شرسا له في الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي وأظهرت الأرقام أن 80 % من الأقليات الافريقية قد اختارت بايدن من بوابة كامالا؟
* اظهرت العملية الانتخابية أن المجتمع الأمريكي يفاضل بين البرامج والوعود التي تطرحها الأحزاب والمؤسسات السياسية ، و الشخصيات إنما هي أدوات اعتبارية ورمزية لتنفيذ تلك الوعود ، وأن "الوعي الديمقراطي" كفيل بمعاقبة الجهة التي تخالف أو تتنصل من وعودها ، عبر آلية سلمية تدرجية وهي صناديق الاقتراع؟
* العملية الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية معقدة للغاية ومترابطة في الوقت ذاته ، فصوت الناخب ليس وحده الكفيل بترجيح كفة من سيصبح سيد البيت الأبيض ، إنما المجمع الانتخابي المحدد بعدد من الكراسي تحددها اعتبارات عديدة في مقدمتها الكتلة البشرية فيها، وهناك الكونغرس كمؤسسة عريقة ، يتفرع إلى مجلسي النواب والشيوخ المنقسم بين "الديمقراطي" و"الجمهوري" وتتوزع الأحزاب الصغيرة والمتوسطة ضمن تحالفاتها مع أحد الجسمين السياسيين
* خطاب النصر أو الفوز الذي أدلى به الفائز حمل بين طياته رسالة تطمين لمعارضيه أو لنقل محبي خصمه بأن "أمريكا أولا " "أمريكا فوق الجميع"
وجاء في سياق الخطاب : ( ان تكون معارضا لايعني ان تكون عدواً أو خائناً ).

* الولايات المتحدة دولة مؤسسات ، والأولوية للشأن الداخلي وتسوية الخلافات في البيت الأمريكي ، وأن "مصالح الأمة" فوق الاعتبارات الأخرى ...
في نهاية المطاف ونحن نعيش عصر العالم الرقمي ومتيقنون أن تاثير هذه الانتخابات ستطالنا إن سلبا أو إيجابا ينبغي استخلاص بعض دروسها على أقل تقدير الصالحة لواقعنا ، لأن الاهتمام ومتابعة نتائج هذه الانتخابات كانت من الغالبية الساحقة من رجالات الدول والسلطة حول العالم ، ليكون هذا الحدث بحق انتخابات بين نقيضين متباينين بآليات نتمنى أن تتوفر لنا لنساهم في تحديد مصيرنا ونمط الحياة التي نريدها لأن العلاقة التي تربطني بالدولة التي أنتمي إليها ليست فقط في تركيز الدولة على حقوقها وتهميش ما للمواطن عليها من واجبات ؟!!