زنوبيا في عاموده


1 قراءة دقيقة
07 Apr
07Apr

زنوبيا في عاموده
كانت السيارة تمشي بهما ببطء رغم الشوارع الفارغة ورغم إننا في شهر نيسان حيث الربيع والناس تخرج لأحضان الطبيعة لكن كان لفايروس الكورونا احكامه.
خرجت السيارة من الحارة ودخلت على الطريق العام جهة الجنوب ،طريق الحسكة دقائق وتوقفت العمة والتفت إلى ناديا وشهقت بحسرة عميقة : انظري هذه هي مدرسة زنوبيا حيث قضيت فيها كل سنوات دراستي من الصف الأول حتى البكلوريا هنا قدمتها كانت أول وأخر دفعة تقدم البكلوريا هنا عام ١٩٨٦ .
تابعت السيارة المسير جنوبا وصلت سوق الهال حيث كان اليباب في السوق واضحا ،وادارت العمة مقود السيارة غربا .
وهذه تلة شرمولا التي تحنو على موتانا! وقد كان قبر إيلو فوق التلة تمام في المنتصف لكنه انجرف مع التراب الذي كان الأهالي يستجرونه لبناء منازلهم به .
دقائق قليلة وترجلتا من السيارة وتقدمت العمة بسنواتها التي قاربت الستين ابنة أخيها ناديا ذات العشرين ربيعا ،ومشيتا ببطء متسلقتا تلة المقبرة كانت تحرصان على عدم الدوس على أي قبر ،نظرت ناديا حولها تأوهت ما أكبرها!
مقبرة دائرية الشكل اقيمت على تلة مرتفعة على شمالها استوت الأرض واصبحت ملاصقة للبيوت المسكونة حيث القبور القديمة ومن شرقها قبور المسيحين بينها وبين شرمولا ،وجنوبها طريق ترابية وقد سورت منذ أربعة أعوام فقط.
عمتي لماذا تزورون المقبرة كل خميس؟
في ألمانيا حتى الآن لم أرى المقابر إلا في التلفزيون،
هذا لأن التراب هناك لم يواري أحبة لك !
اخرجت ناديا هاتفها، سأجعل ديفيد يشاهد المقبرة هو مهتم جدا بكل شيء عن الشرق وهو موضوع رسالة الدكتوراه خاصته التي يتجهز لتقديمها،
رن الهاتف مطولا ولم يتم الرد وكررت ناديا طلب الرقم لكنه لم يكمل الرنين!
تشاغلت العمة بالأدعية حتى لا تحرج ناديا وبقيت تمتم وهي تمرر يدها على شواهد القبور المختلفة ، بعضها لف برخام ثمين وبعضها سيج بسياج حديدي وبعضها لها جدران وباب مغلق وبعضها مجرد كتلة من التراب محاط بعدة أحجار،
لكن هناك قبر عليه قبة خضراء وجدران تحيط بها على شكل غرفة وشجرة معلقة عليها الكثير من القماش الأخضر الذي تحول الى شرائط ممزقة.
إنه قبر أحد أولياء الله نسميه الشيخ صدقة كان من مريدي الشيخ خزنوي وبعضهم يقول أن سعودي الأصل، وتوفي بعاموده لذلك دقن هنا ،قالت العمة ذلك ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة واردفت وقد كان عنوانا لتلاقي العشاق! حتى أننا كنا نحك بجدرانه أحجار صغيرة ونضمر أمنية في قلوبنا فإذا التصق الحجر كنا نعود فرحين مؤمنين بتحقيق تلك الأمنية.
تستطيعين إرسال الصور له قالت العمة حين لاحظت أن ناديا اصبحت مهمومة.
تغيرت سحنة ناديا وأجابت نعم سأفعل ،لكن لا أدري لما أغلق الخط بوجهي وأنا المشتاقة له والبعيدة عنه والعالقة هنا منذ شهر بسبب الكورونا اللعينة!
اذا كان قد أغلق الخط في وجهك فهو حتما لا يحبك! قالت العمة بثقة ودون أن يبدو عليها اي تردد .
وقفلتا عائدتين من نفس الطريق والحزن مخيم عليهما،
عندما وصلت السيارة إلى مدرسة زنوبيا تنهدت العمة وكأن سكينا مغروسا في قلبها تحرك! قالت بعفوية، هنا كنا نتواعد ونتقابل.
عمتي هنا كنت تقابلين خالي ، لا بل آزاد.
ومن يكون آزاد ؟
وكأن العمة تورطت وهي التي كانت تريد أن تخفف عن ناديا ما قالته لها عن ديفيد.
لكن ناديا بقيت تلح عليها حتى حصلت منها وعدا أن تحكي لها لكن بعد أن تصلان البيت.
تشاغلت العمة في المطبخ لكن ناديا لحقتها ووضعت لها الكرسي بجانب الطاولة ووضعت كأستين وعلبة الدخان وهي تراقب الابريق الذي فار الماء فيه فجأة فوضعت فيه ملعقة شاي وأعادت تغطية فوهته ووضعته على الطاولة وجلبت المنفضة واشعلت لنفسها سيكارة فضحكت العمة قائلة!! : أعرف أنك لا تدخنين .
نعم لكن اريد أن اتسلى !
لكن بالحقيقة كانت ناديا قلقة وتفكر بكلام عمتها، معقول ديفيد لا يحبني، أخرجت هاتفها ودونت شيء ما وعادت تلح على عمتها لتسرد لها قصة آزاد،
العمة خمنت سبب لمحة الحزن على وجه ناديا قالت : حبيبتي اعتذر أن كنت قد ضايقتك ولكني متأكدة من يغلق الخط في وجهك لا يحبك، على الأقل كان سيرد عليك برسالة نصية اذا كان مشغول بشيء مهم إنها قاعدة .
ناديا تحمست في الدفاع عن ديفيد كيف انه يعبر لها عن مشاعره حتى إنه كتب عنها قصيدة وأنهما يذهبان في رحلات ومغامرات وأنها تشاركه في خططه المستقبلية .
لكن العمة تابعت كلامها بنفس المنوال وهي تصب الشاي ذي اللون المشهي ووضعت القليل من السكر وهي تدقق النظر في عيني ناديا ،شعرت ببعض الندم لكن لم تتراجع عن كلامها، ربما تكون مشاعر أخرى ولكن ليس حبا !
خطفت ناديا هاتفها من على الطاولة بعد أن سمعت أول رنة ،وتغير وجهها حتى كادت أن تبكي،
لم ترد العمة أن تتدخل،
قالت ناديا إنه جاك صديق ديفيد الساكن معه يقول أن ديفيد نصف نائم وانه لاحظ عندما أغلق الخط بوجهي وينصحني أن اقطع علاقتي به .
يقول أن ديفيد خطط لإقامة علاقة معي فقط ليكون قريب من عائلة شرقية لمساعدته في رسالة الدكتوراه وأنه لا يفكر أبدا بالارتباط بي .
حاولت العمة أن تخفف عن ناديا التي بدت قوية بالنسبة لفتاة اكتشفت زيف مشاعر حبيبها .
وأرادت ان تروح عنها فدندنت أغنية لمحمد شيخو "خم او خياله ته آز رفاندم "
حسنا عمتي لا تتهربي أحكي لي قصة آزاد.
آزاد ! نطقت الاسم وسحبت نفساً عميقاً من السيكارة واعقبتها برشفة شاي بدت لها ذا طعم طيب، وتهيئت نفسيا لسرد القصة التي لم تتجرأ على سردها حتى بينها وبين نفسها وأعادت نطق الاسم، آزاد بلهجة بالغة الرقة.
بعد صدور نتائج البكلوريا ونجاحهما معا بعلامات جيدة رغم عدم الاهتمام الكبير بالدراسة خاصة بعد أن تعرفا على مجموعة الشباب الكرد القادمين من تركيا ويسمونهم الطلبة وهم الفارين من النظام التركي المنتمين إلى حزب العمال الكردستاني.
كانوا يجتمعون كل ليلة في الحارة الشمالية حارة الملالي هكذا كانوا يسمونها ويسمعون كيف تمكن أعضاء هذا الحزب من تحرير بعض المناطق من كردستان الشمالية.
كانوا شباب في غاية الحيوية وشعلة من النشاط والحماس يتحدثون باللغة الكُردية الفصيحة التي حُرمت علينا هنا ، فزاد هذا من تعطشنا لسماعهم ، وكل فترة تتجهز مجموعة من الشباب والشابات وتقطع الحدود إلى تركيا لتقاتل في الجبال مع أعضاء الحزب هناك .
وكان آزاد و زنوبيا ضمن المجموعة التي تقرر خروجها بعد شهر.
كانا يجتمعان والعشق بأسمى درجاته واشكاله يلفهما، هناك قريبا من مدرسة زنوبيا ،حيث بيت صديق لهما.
عشقهما برائحة عشق الوطن وإنكار الجسد فقد كان عشق يتسامى وينمو ويكبر كانا يشعران ببعضهما وغالبا ما كانا يجتمعان دون موعد وكلا يقول للآخر كان من الضروري أن أرك .
ويتحدثان لساعات دون ملل.
اتفقا على الهروب معاً وحددا الزمان والمكان وتعاهدا على الوفاء حتى النصر أو الشهادة كبقية المجموعة.
كانا أجمل من شابين عاشقين وأطهر من قديسين وانقى من حمامتين متلازمين كانا كملاكين لم تشدّهما أي مباهج الأرض كانت أرواحهما تسمو وتتلاقى هناك في جبال كردستان التي في مخيلتهما.
في تلك الليلة لم تنم زنوبيا وقبل الفجر لبست خفتيها وحملت حقيبتها الصغيرة وعلقتها على كتفها من خلق ظهرها وتسللت بخفة، لم تنظر خلفها ما تزال الظلمة مخيمة ،كانت تسير على رؤوس اصابع قدميها، قلبها يدق بشدة وكأنه انخفض حتى لامس الأرض، اقتربت من باب الحوش ، لكن يداً قوية سحبتها للخلف.
ومضت شهور وهي حبيسة المنزل لم تتكلم ولم تجادل ولم تبك اذا كانت متأكدة بأن لا جدوى من كل هذا "الحر اذا وقع بالشبك ما يلبط " رفضت عدة عرسان تقدموا لخطبتها وهي المليحة ذات الشخصية القوية ،لكنها استسلمت لقدرها في النهاية ووافقت على شاب من اقربائها ،ميسور الحال وعاشوا حياة هادئة أنجبت أربعة أولاد كانت تقرأ كل ما يقع تحت يدها فهي منذ الصغر كانت تمتلك مكتبة متواضعة و في وقت فراغها كانت تتسلى بصفحة الفيس بوك ونشر بعض الخواطر.
وبالصدفة وحدها وبعد مرور أكثر من عشرين سنة أعُيد إليها اسم زنوبيا بدل اسم أم سامان .
كانت تتسوق برفقة إحدى صديقاتها حين تقدم رجل ذو هيئة مهيبة وهندام بسيط و شوارب منسقة تليق بوجه الحنطي والشفاه الباسمة والشعر الأسود الكثيف وبصوت لا يكاد يسمع وعيون تلمع نطق زنوبيا !
نعم إنها أنت بضفيرتك الوحيدة كما الأيام الخوالي ألا تذكرين ؟ قلتِ لي : ما دمتُ اجدلُ شعري كضفيرة وحيدة نازلة صوب القلب لن انساك!
لقد رأيت صورتك على الفيس بوك ألم تعرفيني!؟
غاصت زنوبيا بالعرق نظرت إلى صديقتها وأعادت النظر إلى وجه ، لم تقوى على استعادة صوتها ونسيت كيف تتنفس ثم لفظت اسمه بكثير من العناء... آزاد!
بعد حوار بسيط ثبت رقمه على ورقة ودسها في يد زنوبيا قائلا بحثت عنك طويلا جدا.
عادت إلى البيت وهي لا تكاد تستطيع الوقوف بقيت تفكر به لأيام ونظرت كثيرا في الورقة لكنها اتخذت قرارها ونسيت الورقة،
كانت تعد الطعام حين قرب منها زوجها نفس الورقة قائلا :خذي حتما تلزمك انه رقم هاتف .
أعادت الورقة إلى جيبها ولم تعلق.
مضت أيام حين لمست الورقة في جيبها حدقت فيها طويلا ثم مزقتها إلى نتف صغيرة وجلست تستريح من عناء أعمال المنزل وفتحت صفحتها على الفيس بوك فإذا به قد أرسل لها الكثير من الرسائل.
الغت حسابها فوراً وأنشأت حسابا جديداً تحت اسم مستعار،
كان غالبا ما يخطر ببالها، لكنها كانت توبخ نفسها لست أنا من تقوم بهكذا تصرفات.
لكن الصدفة كانت لها بالمرصاد مرة أخرى. في أمسية صيفية كانت مع أهل زوجها يستقبلون الجاهة التي جاءت لطلب يد أخت زوجها فإذا به بينهم وتبين إنه خال العريس وسلم عليها بكل احترام وصار يزورهم في بيتهم .
وأمام زوجها طلبت منه رقمه وقالت لي معك موضوع مهم .
قابلته في بيت اخته وعاتبته قائلة :ستدمر حياتي الهادئة ، لكنه رد عليها بصوت رجولي ممتلئ ثقة وشهامة وهذا لن يكون أبدا، ألا تذكرين لم ألمسك ونحن مراهقين فكيف الآن؟
اذاً ماذا تريد مني ؟
أنت لم تخرجي من رأسي رغم كل السنوات التي قضيتها بالجبال كنتِ معي في كل عملية قمت بها في كل أغنية غنيتها أو سمعتها في كل سفرة سافرتها كنت أرى وجهك بوجوه كل النساء اللواتي قابلتهن واليوم تتنكرين لي هذا ظلم ! تخلفتِ عن اللحاق بي وأعلم أن أباك منعك وتزوجتي ولم توفي بعهدك لي وتقولين ماذا تريد مني!
لن أوذيك ،لأنك روحي ! لأنك كردستان لأنك شرفي .
بكيا معا كثيرا احتضنها بقوة وقَبل جبهتها وقبلت هي عينيه وكان ذاك آخر لقاء بينهما فقد التحق بالقتال واستشهد رغم إنه كان مكلف بعمل إداري .