حوار مع الشاعرجميل داري


1 قراءة دقيقة
06 Mar
06Mar

جميل داري


حوار مع الشاعرجميل داري
 حاوره: إبراهيم اليوسف 

 * من المعروف أنك أحد الكتّاب الذين بدأوا الكتابة منذ نهاية السبعينيات بغزارة واضحة، بيد أني ألاحظ في السنوات الأخيرة أن حضورك بدأ يخفف، هل لهذا الأمر علاقة بابتعادك عن المكان الأول الذي عرف قصائدك؟

 ــ لست أدري على وجه اليقين سبب هذا الانكفاء والتقهقر اللذين قلَّصا مساحة كتاباتي الشعرية والنثرية، لكن أخمن أن وراء ذلك انكسار الكثير من أجنحة الأحلام التي كنت أغني لها لتحلق في سماوات الدهشة والجمال لكنها احترقت تماماً، وها أنذا مطمور برمادها العجوز، ألا تشم معي رائحة شوائها..؟، ولا أحد يهتم بي وبكارثتي التي لن تكون الأخيرة، فالأيام حبالي بدويِّ الفجيعة، فلم يكن المخاض إلا ورماً خبيثاً، ولم يكن البرق إلا خلباً، وإذا كان نزيه أبو عفش يطهر تعاسته بالدمع، ويرقع ثقوب حياته بالأحلام ويواصل حياته بصمت، فلديه طاقة روحية جبارة ليفعل ذلك، أما أنا فلم أعد أثق كثيراً بالكلمات المجنحة والصور الشعرية الجميلة في عالم مكتظ بالدمامة والتفاهة، ولم تعد لدي طاقة أو رغبة في تذكر ما كتبته وما قرأته من كلام، ليس ثمة مناخ بحجم قلبي المتخم بالكآبة والضجر والذباب الميت، ليست ثمة إلا شوك الصحراء وزبد البحر وسراب الأفق، ولدي شعور طاغ بالوحدة، علي الرغم من وجودي الدائم مع الآخرين.. الدياجير تكبل روحي بنجوم منطفئة وكلمات صدئة.. لكن ثمة خيط واهٍ يربطني بالحياة وبالشعر، فلم أعد أتعامل معهما بحميمية الأمس.. ربما لأنهما خذلاني ورمياني على قارعة المنفى دونما جليس أو أنيس.

 * لا بأس، أو تعتقد أن لولادة القصيدة، مناخاً خاصاً لابد منه؟

 ــ إنني أشفق على ولادة الأشياء في زمن الموت هذا، ألا ترى معي أن كل شيء يولد ميتاً ويوهم نفسه بالحياة... قل لي: أين نبض الشجر والهجر والطير والشعر..؟، الهدوء البليد يخيم على كل شيء، وقوة العبث الغائية تطيح بكل قصيدة ومناخ.. ومع ذلك أكتب بين الحين والآخر كلاماً لا يمت إلى الشعر أو النثر ولا أحس أنه يعبّر عني.. لذلك أمزق الأوراق وأنثرها بمتعة رهيبة، لا أشعر بأني احترق بنار القصيدة لولادة جديدة، بل أراني مكبلاً معصوب العينين والروح، باختصار تردي الواقع اليومي يشوه معنى الحياة وجمالية الشعر، ولا تنس تلاشي الحميمية التي هي شرط كل شعر وحياة.

 * أنت تعمل مدرساً لمادة اللغة العربية في الإمارات منذ سنوات، واطلعت علي التجربة الشعرية للجيل الجديد هناك، كيف تنظر إلي واقع الشعر الإماراتي الجديد، هل له خصوصية هو الآخر!!

 ــ الشعر الإماراتي الجديد صورة مصغرة ومكررة عن الشعر السائد في سوريا وغيرها، لكن يتميز بقليل من الخصوصية المحلية والدفء والصدق. والقصيدة النثرية هي السائدة في مجال النشر، ونادراً ما أقرأ قصيدة تفعيلية أو كلاسيكية عمودية، كما أن الصوت النسائي يبدو قوياً في زحمة الأصوات الأخرى، ويبدو لي أن الحركة الشعرية الإماراتية تسير بخطى حثيثة نحو أفق مفتوح وتبشر بغدٍ شعري أفضل وأجمل.

 * الآن، وبعد ثلاثة عقود من الكتابة في مجال الشعر، وفي ظل هيمنة أجناس أدبية أخرى، أما زلت ترى أن تخيرك العالم كتابة الشعر هو الصائب؟

 ــ يا أخي.. كتابة الشعر قدري، ولا يهمني إذا ما طغت عليه أجناس أدبية أخرى.. نعم أقرأ كل الأجناس الأدبية.. لكن الشعر.. شكل ثان.
فتحت عيني علي الشعر، وعشنا معاً السراء والضراء، ولا يمكن التخلي النهائي عنه، لشعوري أنه ما زال المعبر الأول عن وجداني، ولو بشكل هزيل، على الرغم من الإساءة البالغة التي تلحق به من قبل الأدعياء والمتطفلين على مائدته التي لم تعد عامرة بأطايب الأخيلة والموسيقى والرموز.
الشعر هو هروب من العدم، وقشة أعتصم بها في خضم الزمن الذي يتسرّب من بين الأصابع، فإذا بالموت يكشر عن أنيابه ــ على حد البلاغة العربية العتيدة ــ وإذا بي أتضرع إلي الخيال الكسيح ليأخذني إلي عالمه الظليل.. لأن الواقع ثقيل، أثقل من خطوات السحابة في إحدى قصائد بلند الحيدري.
أنا لا أمتلك موهبة قصصية أو مسرحية حتى لأشك بموهبتي الشعرية، وماذا باليد أمام جبروت الأجناس الأخرى..؟
 وعليّ أن أسعي وليسَ علي إدراك النجاح.

 * القصيدة التي تحدثني عنها... ما الذي تقدمه لروحك المرهونة للحرائق؟

 ــ في صقيع المنفى.. منفى الجسد والروح، تظل القصيدة واحة خضراء تلوذ بها الروح الظامئة كونها الخيار شبه الوحيد لبقاء الكائن على وجه الحياة، فلقد امتصت الكثير من العذابات وما زالت، ففي لحظات الضيق والضجر والشوق العبثي إلى المجهول.. أتشبث بثوب القصيدة.. أعريها.. أتأمل في تضاريسها الأسطورية، فإذا بها تأخذني في رحلة جلجاميشية تخلصني من رتابتي ووحدتي، تمنيني ببعث أحلامي المنقرضة.. ثم في النهاية أباغت برمال مخيبة للآمال.
كثيراً ما تراودني فكرة اغتيال الشعر فيّ.. فأصمت زمناً.. ثم أباغت بدبيب الكلمات في القلب تبحث عن برية شاسعة.. عن بحار بعيدة.. عن أزمنة وأمكنة تنأى وتنأى.. وعلى الرغم من كرهي للشعارات فشعاري الجميل:
(تصبح الحياة أقل جدارة أن تعاش إذا خلت من الشعر).
اسمع ما قال بدوي الجبل عن الشعر:
شادٍ علي الأيك غنانا فأشجانا
تبارك الشعر أطياباً وألوانا
أيطمع الشعر بالإحسان يغمره
والشعر يغمر دنيا الله إحسانا
هل كنت أملك لولا مطر نعمته
قلباً علي الوهج القدسي نديانا
 أنا الآن لا أفتش عن قاتل لوركا كـ حامد بدرخان، بل أفتش عن مدافن جديدة لأطمر فيها أنفاسي، أنا الآن أفتش عن قناعاتي أنا بعد أن أتخمت بترديد أفكار غيري عن قناعة أو غير قناعة... الشعر العظيم من ألد أعداء الببغاوية.

 * لقد قرأت منذ فترة وجيزة إحدى قصائدك الأخيرة، بيد أنني لاحظت أثناء قراءتي عزوفاً عن جلجلة اللغة التي كنت تصر عليها من قبل...؟

 ــ ظللت فترة طويلة سجين الجلجلة اللغوية، ولم أحاول الخلاص منها ومن الروي والقافية، على الرغم من نصائح وتحذيرات الكثير من الأصدقاء، وأعتقد أن ذلك عائد إلي قراءاتي الشعرية الأولي للقصائد المحبوكة المسبوكة في صياغة لغوية جزلة وأخاذة، لأنني لم أستطع هضم الحداثة الشعرية ــ حداثة ما بعد مرحلة الرواد ــ والشعر المترجم والطلاسم والأحاجي..
 مع ذلك أعتبر لغتي امتداداً للتراث الشعري العربي الرومانسي التفعيلي، لأن قصيدة النثر لم تستطع أن تجد لها مكانة في قلبي، على الرغم من حبي للنثر الجميل ولو لم يكن شعراً.. وثق أنني لم أحاول تشذيب وتأديب لغتي، ويبدو أن جلجلتها خفتت بخفوت جلجلة الأحلام العريضة التي كنت مدججاً بها، والآن أنفض غبارها ورمادها، عسى أن أعثر على جمرة لم تنطفئ بعد.. وهذا أكيد.

 *أولا يعني هذا أنك تشتغل على صورتك الشعرية أيضاً على نحو آخر؟

 ــ أنا أكتب القصيدة بكل عفوية، وليس هدفي اصطياد الصور الغريبة، وأحاول تحاشي الصور المكررة التي جاءت في قصائد سابقة لي ولسواي، ولهذا يبقى المجال مفتوحاً أمام صور جديدة.. وكما لا يخفى عليك، فإن قراءات المرء تؤثر فيه، فلربما تسربت صور الآخرين إلى قصائدي دون أن أدري، سم ذلك تناصاً أو تلاصاً.. فأنت حر.
 أعلم أنني تباطأت في تطوري الشعري، على عكس بعض الأصدقاء الذين تتلمذوا منذ البداية على أدونيس وسليم بركات.. لكن للأسف ظلوا مقلدين لهما، وبالكاد تسمع رنين أصواتهم، وهناك قسم آخر قرأ الشعر الغربي المترجم فقلده دون دراية بأبسط قواعد الشعر العربية.. ومع ذلك فالساحة واسعة تستوعب الجميع فلا داعٍ لإصدار الأوامر النقدية الصارمة لأن الزبد يذهب جفاءً.

 *وتكاد إعادة النظر من قبلك أن تنسحب كذلك على مستوى الإيقاع الخارجي
 للنص أيضاً.. ماذا تقول؟

 ــ أساساً أنا مهتم بالولع بالإيقاع الخارجي الذي لم أستغن عنه قط في كل مراحلي، على الرغم من شعوري أحياناً أنه يقيدني ويجعلني أسير على الصراط المستقيم، دون الانعطاف يسرة أو يمنة، غير أني وبسبب الممارسة المديدة للإيقاع، صار هو الآخر عفوياً إلى حد أنه يشبه النثر أحياناً.
ولا أظن أن الإيقاع يناقض جمالية القصيدة، فخيرة شعرائنا ايقاعيون بهذا الشكل أو ذاك.
 في الفترة الأخيرة نشر (كتاب في جريدة) قصائد مختارة لأنسي الحاج ومحمد الماغوط، كم شعرت ببؤسها وتعاستها، كنت بجهد جهيد أعثر على لقطة شعرية هنا أو هناك، ومع ذلك ينظر إليهما باعتبارهما صنمين مقدسين من أصنام الشعر... أرى شعراء آخرين أقل شهرة منهما يفوقونهما شعراً وإيقاعاً وحداثة.

 *ما دمنا في حدود نصوصك، دعني أقل لك: أو مازلت تجد ما تكتب عنه بعد انكسار الأحلام على هذه الصورة المذهلة؟

 ــ ما المانع أن نبكي على أحلامنا المجهضة.. ونلوذ بعالم الخيال واليأس والمنافي الغريبة والبعيدة.. اسمع هذا المقطع مثلاً :
في فمي غيمة مرة ومذاق عدمْ
في يدي هواء ذبيحٌ..
وفي الأفق دمْ
أتضور شوقاً
فأرنو رحيلي المدوّي بخيط الألمْ
أنت ترى أن رحى التفاهة تطحن كل نفيس وجميل حتى أوشكت حياتنا على الخلو من مبررات الاستمرار فيها، وهل يمكن أن يولد مستقبل معافى من حاضر مهزوم ومأزوم..؟
نعم هناك غرائب أخرى في انتظارنا، وما علينا إلا أن نمتشق قصائدنا المثلومة لنخوض معارك وهمية لا تبقي ولا تذر.. كل الذي أدريه أنّ سيزيف مستلق في الحضيض يتجرع عرقه المتصبب دون استعداد لخوض مغامرة ارتقاء الجبل ــ الكابوس، لقد آن له أن يرتوي.
 اسمع ما قاله أحد المبدعين: (أيها المبدع إذا حلت بك مصيبة فانتظر أخرى).

 * لنمضِ قليلاً في التفاصيل: ما هي أثافي هذا الحلم الذي تتلمظ قصائدنا دونها؟

 ــ يا لروعة تعبيرك: أثافي الحلم، أنا مولع بالأثافي وأستخدمها كثيراً في قصائدي.. اسمعني جيداً: أرى أن الحياة لا تطاق بحلوها ومرها، ولهذا السبب مُنحنا نعمة الشعر كي نكتوي بناره الجميلة... ولأننا نضيق بهذه النار المقدسة نقذف بأرواحنا إلى أثافي الحلم.. للشعر برودة الرماد وهشاشته الخالدة.
فهذا الحلم كان يوماً بركاناً ثم خمد... ولكن هل تظن أن نار الشعر ستخمد يوماً في نفوسنا؟
 سنظل نكتب علي الماء والهواء والسراب.. أليس ذلك أفضل من الكتابة على النار..؟ وإذا رأيت أن الشعر قد فسد ككل شيء، فلنصمت ونتثاءب وننام.. ولنستيقظ بعد مئة عام.. فلعلّ وعسى.. مع الاعتذار إلى عمنا ناظم حكمت.

 *والمرأة.. هذه التي أفردت من أجلها فضاء النص وفضاء الروح، ما الذي تقول الآن في حضرتها أو غيابها.. لا فرق؟

 ــ أقول ما قاله الشاعر الصاحي في الزمن السكران علي الجندي في أحد حواراته:
يتجسد العالم بامرأة تغير كل طبيعة الأشياء.. فإذا هي النعمة والحب الذي يمنح قصيدتي ألوان الخصب، هكذا يرى الرجل خلاصه في المرأة.. أجل ألوذ بهشاشة الكلمات وجبروت المرأة وكلاهما يخدران الروح التي تهدأ إلى حين، وسرعان ما تتلاشى الكلمات وتنساب المرأة كالماء من بين الأصابع فأظل وحيداً.. وحيداً تماماً مرمياً في صحراء العالم، فلا شعر دون امرأة ولا امرأة دون شعر...
 فالمرأة هي النبع الذي يمد جذور القصيدة وجذور حياتنا بالخصب والنماء.. لذلك رُجم الشعر والمرأة كثيراً.. كثيراً.

 * إذاً.. أنت من هؤلاء الذين يرون أن عالم القصيدة يظل ناقصاً ما لم يتضمخ بريحان أنثى استثنائية.

 ــ أجل.. إن عالم القصيدة لا يظل ناقصاً فحسب، بل مثيراً للامتعاض.. لك أن تتصور وجودنا الكئيب دون ريحانة الأنثى وصف شباكها وطيون قراها والقمر القريب.
السياب الدميم والفقير والمريض قال:
عيناك غابتا نخيل ساعة السـحر
أو شرفتان راح ينأي عنهما القمر
لنتأمل هذا الثالوث:
الشعر.. المرأة.. الطبيعة.. ولنتأمل خلو حياتنا منه..
المرأة الاستثنائية كالغربة كلاهما يترك في الروح جروحاً بليغة لا تندمل.. كلاهما يعذبانك كجلاد عتيد.. وكلاهما يفجر في نفسك ينابيع القلق الخلاق.. الذي يصنع القصيدة.. ما أوسع خواء العالم دون هذا الثالوث.
 لابد من امرأة مضرجة ومرصعة بالبحر والطيوف والقمر.. (فكل مكان لا يؤنث لا يعول عليه).

 *لعلك تريد أن تقول: إننا أحوج إلى الأنثى العصية على الدوام؟

 ــ نعم.. العصية الوفية الغادرة الشرسة المجنونة.. فلا معنى لامرأة من عصور الحريم مهمتها غسل الجوارب وإنجاب الذرية الصالحة.
المرأة التي تتحدى ظروفها وترى مثلي ومثلك صلاحها في الشعر واقتراف أجمل الموبقات حتي القيامة.
 لا أريد الخوض كثيراً في هذا الموضوع (فقد اشتعل الرأس شيباً) وسيتهمنا الشباب بالتصابي.. علينا منذ الآن الخروج من دائرة الشعر والمرأة والحياة.. إن لم نكن خارجين بالفعل، هل أنت قادر على ذلك.. ساعدني!!

 *بدأنا نشهد ــ ومن جديد ــ كثرة الدعوات التي تنادي بأن لا وظيفة للفن، كيف تنظر إلى المسألة؟

 ــ حتى لو كان للفن وظيفة فلا أحد يكترث به، وعليك أن تقارن بين رواد المقهى ورواد الأمسيات الثقافية والفنية، فكفي يمكن لك بالشعر ــ وهو سلاح هزيل ــ أن ترفع الناس من الحضيض والضحالة إلي السمو في دنيا الفن.
ثم ما أكره هذه الوظيفة التي كانت تفرض فرضاً على الفنان الذي يضطر لصياغة شعارات تصلح صباحاً وتنتهي مساءً.. لنقرأ معاً قول منيف في أحد حواراته:
(أحب أشياء كثيرة لا يحبها الثوريون.. أو يتظاهرون بأنهم لا يحبونها، أحببت القراءة لدرجة الإدمان أحببت الموسيقي لدرجة إفساد الآخرين.
أحببت المسرح لدرجة أفضله على الاجتماع الحزبي، أحببت الوردة والورقة الخضراء والشكل الجميل، وهكذا وجدت نفسي ومنذ وقت مبكر متورطاً في أشياء لا يحبها الثوريون) ثم يذكر هذه الحكاية:
لينين ذهب إلى كولن في ألمانيا لا ليدرس وضع الطبقة العاملة، هناك وإنما ذهب لرؤية الكاتدرائية وهي إحدى إنجازات الفن العماري، ليتأكد من قدرة البشر وعبقريتهم على المعجزات.
وهكذا توصل إلي معادلات من نوع معين: أدوات التعبير بما فيها الفن يمكن أن يقدم لنا زاداً وإضافات لا نجدها في مكان آخر أو تقدم لشكل آخر.
للفن إذاً وظيفة فكرية وجمالية وإنسانية بالشكل الذي طرحه منيف، ولكن هنا وهناك شوهوا الفن وجعلوه وسيلة رخيصة في خدمة شعارات عظيمة.. والآن بقي الفن.. وماتت الشعارات.
(الفن أعظم فرح غيمة الإنسان لنفسه)...
في الوقت نفسه أضيف إلى ما سبق كلاماً معبراً وحزيناً للشاعر الشقيق نزيه أو عفش، يقول: ما حاجتنا إلي هذه الأطنان الحزينة من الأوراق والحبر والصلوات والمراثي، إذا كان كل ما نفعله ــ داخل هذا الجحيم ــ ليس أكثر من مروحة في تابوت... لا تحرك غير الهواء الفاسد، ثم يضيف: لقد تحولنا ــ نحن الشعراء ــ إلي قطيع من اليائسين والشهود العزل على خراب الحياة، تحولنا جميعاً من كهنة أمل إلى مؤرخي ظلام ويأس وموت... إلخ.
وأنا أقول لك: على الرغم من خبرتي الطويلة، فإنني عاجز عن إدارة عائلتي وطلاب صفي، فكيف تريدني إدارة العالم المكتظ بالأخطاء والخطايا بلمسة سحرية وكلمة شعرية؟ فثمة شعوب لا تهتم بالشعر كما يقول أدونيس:
(نحن في عهد ينذر فيه الإنسان حياته لهدف واحد: الكفاح من أجل أن يحصل على منفى).
سنوات وأنا أحاول تحويل منـزلي الطيني إلى منـزل إسمنتي فأعجز.. فهل يمكن لشعري أن يروض وحوش العالم، ومع ذلك سأعتصم بحبل القصيدة وأدافع عنها كما دافع أصحاب اللحى عن لحاهم حتى الرمق الأخير في إحدي قصص زكريا تامر.
 كان قيصر في (يوليوس قيصر) يفضل أن يكون حوله رجال بدينون ومرحون لا يفكرون بالسياسة، أنا واحد منهم الآن.

 * أما زلت تراهن أن المستقبل الشعري هو قصيدة التفعيلة؟

 ــ من قال لك إني متعصب للتفعيلة؟ يكفي أن يعرف هناك شعر وكفى.. لأنني أؤمن أن لا سقف للفن والشعر، فضاءه الرحب، ولا يمكن لأحد أن يقف حجر عثرة في طريق النهر الذي يحفر مجراه بأناة وتؤدة، هناك نماذج رديئة جداً من شعر التفعيلة، وهذا يعني أن بحور الخليل ليست كافية وحدها لنسج دنيا القصيدة، أليس هناك فرق بين خياط وآخر وخباز وآخر ومدرس وآخر..؟ هكذا ثمة فرق بين شاعر وآخر.. فالشعر بجميع مذاهبه ومدارسه فيه الرديء والجيد، وليس عبثاًَ ما قاله البحتري: جيد أبي تمام أفضل من جيدي، ورديئي أفضل من رديئه.. إذاً حتى عند الشاعر الواحد هناك شعر ولا شعر.. بدءاً بالسياب.. وحتى كرم.
 إن النقاش حول أولوية الأشكال الشعرية عبث لا طائل من ورائه، فالحياة قائمة على الاختلاف، ولا يمكن أن تفرض أذواقنا على الآخرين، ما ذنبي إذا كنت لا أتحمل شعر (بول شاوول) مثلاً؟ وما أكثر شعراء التفعيلة الذين لا أطيق حتى قراءة عناوين قصائدهم.. كيف أفسر لك الأمر..؟ لا أدري لقد أصابني دوار الشعر.. دعنا من الشعر الآن تعال نثرثر.. نصرخ، نجر ذيول الخيبة.. نلوك الهواء.. نقضم السراب.. تعال إلى الشارع القريب من جامع (قاسمو) نتفرج على باعة البندورة والبصل.. عسى كل ذلك ينسينا ما نحن فيه من شعر يهدّ الروح.

 * ولكن ثمة نماذج عالية جداً من قصيدة النثر جديرة بأن نتوقف عندها طويلاً.

 ــ هذه النماذج العالية علي، لكن هذا الاستثناء لا يلغي القاعدة، وهي أن هناك نماذج رديئة مسيطرة على الساحة الثقافية في المجلات والجرائد والدواوين.
هل من المعقول أن يكون كل هذا الكم المتراكم شعراً جميلاً.. ثمة جمل ومقاطع جميلة، ولكن معظم ما أقرأ لا أستطيع ثانية قراءته.. بينما لا أملّ من قراءة قصيدة الوقت لأدونيس مثلاً، والقلعة لأبي عفش، ومعظم قصائد درويش، أسمع ما يقوله أدونيس:
(أقول عن كتابته إنها شعر إذا كان ما قاله لا يقال بأية طريقة أخري).
أنا مثلاً معجب بروايات جبرا إبراهيم جبرا ومقالاته، لكنني أنفر من شعره النثري.. لماذا؟
 لأن الاسم ليس مهماً عندي، ما يهمني هو النص الذي أمامي.. هل فيه رائحة العشب والمطر والتراب؟ هل فيه نكهة التوابل وحفيف الأغصان ورفيف الحلم..؟ هل فيه شعر..؟ إذا تتعايش قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة تعايشاً سلمياً دونما حروب.. فلكل جمهوره ومشجعوه.. على الرغم من انقراض جمهور الشعر عامة لصالح قضايا أخرى.. فرواد مقهى في عامودة أكثر من رواد الأمسيات الشعرية (ما رأيك أن نصبح أنا وأنت من رواد الفضاء)؟.

 *يرى بعضهم أنك في بعض قراءاتك قد مارست عنفاً نقدياً.. الآن وبعد مضي أكثر من عقد على تلك القراءات الصاخبة، ماذا تقول؟

 ــ أجل كنت أصب جام غضبي على تلك القصص والقصائد التي لا تنتمي إلى عالم الفن والموهبة.. وقد فتحت الصحافة أبوابها لي وشجعتني على المضي قدماً في هذا السبيل، ثم احتج على سلامة نقدي مما أدى إلي توقفه.. لقد كان نقداً جارحاً، وكان الكثير منه منصباً على شعراء التفعيلة أنفسهم وشعراء النثر، لم أفرق بين أحد.. ثم تركت الكتابة عن الأعمال الرديئة، وصرت أكتب عن الأعمال الأدبية الرفيعة، وهذا ولّد عندي قناعة أن ثمة سلطة ما تحمي وتصون بحرص ما لا يمت إلى الفن بصلة.
الآن.. بين حين وآخر بعد قراءات لمجموعة من الكتب، أكتب عن بعضها عرضاً أو رأياً أو نقداً أو أنشره هنا وهناك..
واضطر أحياناً لمجاملة البعض ممن ما يزال في أول الطريق. أجل.. أضطر إلى السكوت عن العمل الرديء، فلقد كسبت ما يكفي من الأعداء، والآن جاء دور البحث عن الأصدقاء..
وهذا يحتاج إلى بعض المجاملة، وها أنذا أتدرب عليها، كنت مشاكساً.. ثم تروضت شيئاً فشيئاً، حتى صرت كنمر زكريا تامر في يومه العاشر.
هل يؤلمك اعترافي.. أنا يؤلمني لو لم أعترف!!
 في مسرحية (يوليوس قيصر) لشكسبير يقتل الشاعر (سنيا) على أيدي الناس لرداءة شعره.. لقد كانت محاولاتي النقدية عاجزة عن وضع حد لانتشار الشعر الهالوكي الذي يمتد على عرض الساحة وطولها. 

 إنتهى