تراتيل وجع


1 قراءة دقيقة
24 Nov
24Nov

أعادت إسطوانتها عشرات المرات: ليتني أنجبت ثلاث بنات أخريات، البنات زينة البيت، منزلنا أمسى باردا، تقشعرّ فيه الأبدان حتى في أعلى درجات الحرارة. و أبي حين يحدثني تنهمر الدموع من عينيه اللتين أصبحتا لؤلؤتين تلمعان بين تجاعيد الزمن.أتذكر وأنا صغيرة انتقادات والدي الكثيرة لوالدتي، من بينها أنها لا تنجب غير البنات، ولو أنها امرأة صالحة لأنجبت صبياناً، فما كل الصباحات كانت جميلة! أحيانا كنت أود أن يطول المساء، وكنت أختبئ تحت وجعي منها ربما تنسى المجيء، بعض الصباحات حقيرة كحقارة اللحظة حين تتعمّد الأذى.كانت صحون الطعام بين الحين والآخر تتطاير هنا وهناك، على الجدران، والستائر، وأرضية الصالون، وأمي  تقوم بتنظيف المنزل من الطعام والزجاج المكسور، وترتّب الضجيج الذي يُحدثه أبي في المنزل. أكثر ما كان يعذبها هو فصل الشتاء. كانت المسكينة تنظف السجاد في ذلك البرد القارس والدموع تنهمر من عينيها، كأنها الظبية التي تخاف وبالقرار تتعثر. أمي الجميلة حزينة كبرتقال نهشه البرد، تظل تحلم بمولود ذكر مع أن كل أسباب الحزن والوجع والخوف لديها هي من الذكر، أبي، الذي يريد أن يمزق دفتر الله وكتابه ويغير القدر هو ذكر! يبحثُ عن اسم مذكّر لإسناد المنزل وسكانه إليه حتى لو كان معاقاً؟ الولد المُعاق يستطيع قيادة قافلة من النساء القويات.يرغب الكرديّ ترويض أحكام الوجود للمخلوقات لإذعان الكائنات كلّها للوحشية الذكورية في طغيانها الدائم.أمي الموجوعة، كانت تحاكي الله أحيانا. كنت أسمعها  تناجيه، فالحياة لا تسير إلا بوجع حين لا تنصف وتدعو أن يكون المولود المنتظر صبياً، لتثبت لأبي وللمجتمع أن باستطاعتها إنجاب الصبيان أيضاً، كنت صغيرة وقتها، وأتوسل إليها أن نترك البيت، ونذهب إلى بيت جدي، لكن أمي كانت تكابر، وتخشى من شماتة الجميع بها. كنت أفكر وقتها أن الحماقات لن تغادرنا يوما فهي أختنا أو ابنة عمنا كما أظن، فمنذ ألفي سنة وحماقاتنا تصاحبنا وتنام معنا في الفراش نفسه.نعم لا أعتقد أن الأمور ستكون أفضل من هذه...! لا يكاد الفرح يطرق بابنا لحظة إلا ويهتاج أبي؛ ليلقي بمرافعته المملة اليومية على أمي التي باتت كشجرة حور وحيدة في حقل منسي بعيد. أمي حفظت أفكار أبي عن ظهر القلب ، ورؤيته للأشياء.  وبدورنا نلبس خوفنا ونتكئ على دموع اللحظة. بقينا على هذه الحال، إلى أن أعلن القدرُ حكمَه بمنحه أمي صبياً.  أبي وأمي أصبحا روحاً واحدة في جسدين، وصار يحلف برأسها. الحب صار كسفينة شراعية تجوب الأعالي وتقطع مضائق المنزل، وينشر المرح في أرجائه. إنه الشرق!!!