تجويع الشعوب لا يحمي الميليشيات


1 قراءة دقيقة
12 Jul
12Jul

[فور ذيوع نبأ اغتيال الباحث العراقي هشام الهاشمي في بغداد، لا أدري لماذا قفز الى ذهني اغتيال السياسي محمد شطح في بيروت قبل سبعة أعوام. ثمّة تشابه في استهدافهما، فالمتهم الأول بالنسبة الى الهاشمي هو "كتائب حزب الله العراق"، وبالنسبة الى شطح كان "قتلة رفيق الحريري ورافضو العدالة الدولية"، وفقاً لما قاله الرئيس سعد الحريري، الذي كان قتل مستشاره يستهدفه. أما اغتيال الهاشمي فمن المؤكّد أنه تهديد مباشر لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي بدأ مساراً صعباً وطويلاً لإنهاء سطوة الميليشيات واستعادة الدولة وهيبتها. كلا البلدين لديه مشكلة مع السلاح غير الشرعي. ومثلما اتهم "حزب الله" اللبناني إسرائيل باغتيال رفيق الحريري، سارع "الحشد الشعبي" الى اتهام "داعش" بتصفية الهاشمي، لكن الكاظمي الخبير مثل الهاشمي بالجماعات الإرهابية توعّد القتلة ولم يشر الى "داعش"].
كان لا بد من هذا المدخل للدلالة الى أن الميليشيات مأزومة هنا وهناك، فهي ظنّت أن خبرة التجبّر على الشعب تؤهّلها للحكم، لا لشيء إلا لأنها قادرة على القتل والترهيب وتصنيع الفتن واستخدام صفة كونها من نسيج المجتمع لاختراق الدولة واخضاعها للمشروع الإيراني. لكن كيف تحكم وتدير الدولة وترعى شؤون الناس وهي لا تملك ولا يهمها أن تملك مشروعاً وطنياً، وكيف تحكم وهي لا تعترف بـ/ ولا تحترم التعددية في المجتمعات التي توجد فيها، أو بالأحرى تفرض نفسها عليها.
ما خسرته إيران حتى الآن أنها لم تستطع أن تقيم حال النفوذ المستقرّة، المعترف بها في تسويات دولية، لتتمكّن من تحويل ميليشياتها الى أنظمة حكم ولو بـ "شرعية" قسرية. لم يعد مجهولاً أن إفقار الشعوب بات جوهر مشروع إيران، بادئة بإفقار شعبها. وإذا كان هناك في لبنان أو في العراق أو في سوريا أو في اليمن مَن لا يزال يراهن على إيران، فقط لاعتقاده بأنها "ندٌّ" للولايات المتحدة، فليتذكّر ما أنزلته هذه "النديّة" الواهمة من مآسٍ وخراب. ليس بالسلاح وحده في أيدي الميليشيات تحيا الشعوب، وليس تجويع الشعوب ما سيحمي سلاحها وأزلامها.
في لبنان، أصبحت "حكومة حزب الله" في حدّ ذاتها أزمة داخل الأزمة، صارت مثل الليرة "فارق عملة" بين مَن تمثّلهم وبين الرفض الدولي لمَن تمثّلهم. اتفق هؤلاء على أن حكومتهم لم تعد صالحة، لكنهم لم (ولن) يعثروا على البديل، فاضطروا للإبقاء عليها بفشلها، أي بفشلهم. في الأساس، لم يكن لـ "حزب الله" - دعك من "الحلفاء" الكومبارس - أن يتنطّح لمسألة الحكم وهو الذي نشط خارج القوانين ولا يعترف بالدولة. طالما أنه يحتاج الى "غطاء" الحكومة ليحكم من وراء الستار فلماذا يدعو الى تغيير "صيغة الميثاق الوطني" ليكون الآمر الناهي، علماً بأنه أصبح سبباً مباشراً لتعقيد الأزمة لا لمعالجتها.