المنطقة الآمنة : ما لها وما عليها ...


1 قراءة دقيقة
15 Aug
15Aug

Hesen Xalid


المنطقة الآمنة : ما لها وما عليها ...

الحديث عن المنطقة الآمنة في الشمال - والشمال الشرقي من سوريا ليس جديدا ، فعمرها يجاور ويخترق الماً عمق الأزمة السورية تقريباً ، عندما كانت تستحق بحق لقب "ثورة الكرامة والتغيير " قبل أن تنتهك هي ما تبقى من كرامة السوريين المختلفين انتماءاً وتوجهاً لتتحول لحراك طائفي ويتم أسلمتها وعسكرتها "خليجياً وتركياً" في مراحل مبكّرة من انطلاقتها.
وكثُر الحديث على ضرورة إقامتها ومطالبة المنظمة الدولية بها ومن قِبل "الشعب السوري" صاحب الحق والامتياز وبمساندة كتلة أصدقاء الشعب السوري؟!
لكن منطق السياسة وميزان المصالح والمساومات في العلاقات بين الدول ذات النفوذ "إقليميا ودوليا " حال دون تحقيقها إلى الآن متجاوزة بذلك الظروف الصعبة التي مرت - ولا تزال- تمر على السوريين ...
ويطفو على السطح ، الحديث مجدداً بضرورة إقامة "المنطقة الآمنة" تلك ؟!
فما الذي استجد في المشهد السوري وتعقيداته ؟!
وما هي ضروراتها وعوامل نجاحها ؟!
وهل هو امتداد "للصراع على سوريا " كما ذهب إلى ذلك /باتريك سيل/ في يوم ما ؟!
بات المشهد السوري أكثر وضوحاً بعد مرور حوالي عقدٍ من الزمن على الأزمة السورية و"الصراع عليها " فمناطق النفوذ باتت أكثر وضوحاً واللاعبين الأساس باتوا في الصفوف الأمامية يتسيّدون المشهد ، والكومبارس تم الاستغناء عن أدوارهم وعلى مضض لينسحبوا من المشهد الى الصفوف الخلفية
فتركيا وإيران وروسيا باتت ضامنة للحوار السوري السوري ، وأمريكا وإسرائيل ، باتوا أبرز المتحكمون في "الدُميةالسورية" ويظهر بين الحين والحين صراع "بيني" حتى بين "المتحالفين التقليديين" (روسيا - إيران) (الولايات المتحدة - تركيا) واسرائيل التي تراقب المشهد بعيون الصقر لمقاربات خاصة بها والتي ترفع شعار : ضعيف يحكم سوريا خير من قوي ، ولها محاولات في تقليم أظافره كلما دعت الحاجة بحسب منطق تل أبيب ؟!
باتت الجغرافيا السورية أكثر وضوحاً في تقاسم مناطق النفوذ لتلك الأطراف آنفة الذكر مع من يواليها محلياً (( الخارطة المرفقة توضح ذلك )).
وما تلاها من حرب مريرة تم فيها دحر مشروع "داعش وأخواتها" المتداخل مع مشروع ثوار سوريا الجدد عبر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وحلفاء محليين كان للكرد فيها السبق والسيادة على الأرض بغطاء جوي قدمه ولا يزال التحالف الدولي ، حتى بات الشمال والشمال الشرقي من الجغرافيا السورية أمرا واقعا لا لأنه يُعتبر منطقة نفوذ التحالف الدولي فحسب ، بل لأن لاعبا جديدا خرج من عمق المعاناة السورية وبات يفرض نفسه وبقوة كلاعب أساس في الملعب بعد عقود كان يتم فيها تهميشه ، وباتت له مخالب استطاع بها هزيمة تنظيم كان قد هزّ عروش دول وهو ما تنظر إليه أنقرة بخيفة وتوجس وحذر ؟!
ربما ينبغي النظر إلى المقاربة التركية للصراع السوري من خلال نافذتين لا ثالثة لها :
١- نافذة من يحكم "الشام شريف" وهو مرتبط تاريخيا بالصراع الصفوي العثماني ومرتبط عضوياً بتوجه "تركيا الأردوغانية" في إحياء مجد السلطنة العثمانية والتوجه شرقا وقيادة العالم الإسلامي كورقة ضغط ومساومة على الإتحاد الاروبي خاصة وأن "الإرهاب له دينٌ ولون " في العقل الجمعي الاروبي والغربي عموما وكذلك استفزاز "النادي المسيحي" بورقة اللاجئين بعيدا عن لغة السياسة وتزلف السياسيين .
٢- نافذة "الفوبيا الكردية - تركياً" لأن (الكردي الجيد - في نظر التركي - هو الكردي الميت) وربما تكون النافذة الاخيرة لها الأولوية في المقاربة التركية لأنها ترتبط عضويا وبنيويا ووجوديا بالأمن القومي التركي بحسب نظرة الساسة الترك وهواجس الترابط العضوي بين هذه التجربة الوليدة وقنديل الذي يؤرق التركي
باتت فكرة إقامة المنطقة الآمنة أكثر قبولا لدى التركي والكردي والأميركي حليف الطرفين؟!
لكن شروط إقامتها وإدارتها تختلف بين تلك الأطراف في (التفاصيل التي يسكنها الشيطان).
شروط التركي يهدف قولا واحدا للقضاء على الوجود الكردي وتجربة الادارة الذاتية الوليدة للكرد في سوريا بغض النظر عن حامل المشروع والتي يعتبرها الترك تجربة مستجدة ولعبة من "الكردستاني" العدو اللدود لها وتستشهد بتوجيهات قادة قنديل لكرد سوريا والى حدّ ما تلجأ استخباريا الى الزعيم الروحي للكردستاني القابع في إمرالي لتسريب رسائل تركية بخصوص المقاربة التركية للقضية الكردية في بُعديها المحلي والقومي.
الشروط الكردية تحاول الحفاظ على ما تحقق من مكاسب على الأرض على داعش والاحتفاظ بالأرض والفراغ الذي تمّ ملؤه دون قطع حبل الود مع دمشق انما يصرّ في خطاباته على ضرورة تغيير نمط الحكم وتنظيم العلاقة مع المركز والمحافظة على الخصوصية الجغرافية القومية والتاريخية لهم والتعامل بحذر مع المطالب والشروط التركية من حيث عمق المنطقة الامنة وموضوعة عودة اللاجئين و"الممر الآمن " الذي يخفي "هواجس التغيير الديمغرافي في فسيفساء المنطقة الكردية " من الطرف الكردي وحلفاءه ؟!
العرب والآشورين ضمن توليفة تظهر للآخر الترابط بين الخطاب النظري والتطبيق العملية في المؤسسات التي يديرونها وتمثلهم ؟ وبين هذين الشرطين "المطلبين" تظهر محاولات واشنطن الحثيثة للتوافق بين مطالب الطرفين النقيضين ، بين إرضاء حليف استراتيجي منذ الحرب الباردة والدور الجيوسياسي الذي لعبه التركي وخدماته القيّمة في "الناتو" وإن تغيرت الأدوار وقواعد اللعبة "فالثابت الوحيد في السياسة أنها بلا ثوابت
ومحاولة إرضاء الحليف الجديد الذي أظهر جدارة واستحقاقاً في مكافحة الإرهاب ولجم تغوله في كلاً من الجغرافيا "الكردية "السورية و العراقية بمقاتلين متمرسين في حرب العصابات وليتحولوا لماركات عالمية في المقاومة و الكفاح ضد التوحش والعنصرية والتشدد القومو-ديني في منطقة مصابة بلوثة "التدين والقوموية " وهم أبطال (pêşmerge - Ypg - girêla)
لتسقط بذلك "ثنائية الكرد والجبل " لأنهم اثبتوا نضجا وقدرة في حرب السهول والصحراء في حقبة الحرب ضد داعش ومن لفّ لفها من التنظيمات ذات التوجه الراديكالي الديني الذي لا يعترف بالاختلاف والخصوصية
بالاضافة لوجود نيّة وتوجه لدى صقور الادارةالأمريكية بعد حقبة تنظيم القاعدة وما تلاها من تحولات وتفريخ التشدد الديني بقيادة "عربية سنية" بضرورة ايجاد عنصر توازن قومي في هذه المنطقة لتعديل الكفة في التوجه الاستراتيجي الجديد لواشنطن ، والكرد هنا هم عنصر توازن الكفة في المشهد الموزايكي لسكنة المنطقة ،كونهم "أيّ الكرد" يمتازون ب( لاتزمت ديني ولا قومي ) وهم أصحاب الأرض والذين تم تهميشهم وحرمانهم من أرضهم التاريخية أثناء معاهدات ومواثيق تقاسم تركة الرجل المريض وما تلاها من تفتيت"السلطنة العثمانية" وإنشاء تركيا الأتاتوركية وغيرها من البلدان وكانت نتاج فرض شروط المنتصرين على المهزومين وكاعتراف اخلاقي بالغبن الذي طال "أبناء الجن" وخروجهم من "المولد بلا حمّص" في تلك القسمة .
وإذا كان الإقتراب من تغيير الجغرافية الحالية "المصطنعة" صعباً ومحفوفاً بالمخاطر في هذه المرحلة التاريخية ، فإن السعي إلى تغيير أنماط الحكم في تلك البلدان القومية ممكنا وهو ما يتوافق مع "روح العصر" في منح الحقوق الأساسية للإنسان و إدارة دولة المواطنة بعيداً عن الاعتبارات والمقاربات الضيقة ، وهو ما ينسجم مع الخطاب المتصاعد في أدبيات العمال الكردستاني بصفته الأقدر ضمن الظروف والشروط الحالية على الوقوف ب النديّة مع تركيا "العدو التاريخي لقسم كبير من الكرد" والذي ينادي في خطابه البديل بالدعوة لبناء وتعايش الأمم العديدة في "الأمة الديمقراطية "تحافظ فيها القوميات التاريخية في هذه - المنطقة المأزومة - على خصوصياتها القومية والثقافية والارث الحضاري والتاريخي لها ، دون ان تنتصر أيّة قومية على قومية أخرى ليسقط بذلك "مفهوم الأقلية والأكثرية" والذي بقي جاسما على صدور الكثير من الانتماءات المختلفة لردح طويل من الزمن .
وهو الخطاب الذي طوره المفكّر أوجلان في سجنه ومرافعاته امام محكمة حقوق الانسان الاوروبية بُعيد القبض عليه في نايروبي وما تلا ذلك من تعديلات في خطاب الامة الديمقراطية بغض النظر عن كونها وسيلةللوصول الى حقوق قومية تم تجزأتها الى مراحل ام قناعة يؤمن بها حزبه ومناصروه والذي بات مرجعاً ومفتاحاً للحل رغم ظروف السجن .
وهنا تظهر نقطة جوهرية جعل الغرب عموماً يقترب من "الكرد" من خلال إقليم كردستان العراق سابقاً بصفتهم المخاطب الشرعي لكرد العراق رغم تناقضات إربيل - السليمانية ، وللقضية الكردية أبعاد تاريخية وشبكة علاقات دولية هناك ، لكن الأمر يختلف هنا على الجغرافية الكردية السورية فمن المخاطب "الشرعي" لهم أمام ذاك الغرب؟!
أهو الاتحاد الديمقراطي /التيار العلماني/ والجناح السياسي لوحدات حماية الشعب المتهم "بلا كرديته" كرديا "رغم انجازات قومية على الأرض" والمتهم بتوجهاته الانفصالية من المركز والمتهم بتبعيته للكردستاني ؟!
أم المجلس الوطني /التيار القومي؟/ المتحالف مع ثوار سوريا الجدد ، الذين لا يعترفون بخصوصية الكرد و بالقضية الكردية وخطابهم لا يجاري حتى خطاب "دمشق" الحالي في تعامله ومقاربته للقضية الكردية ، والمتهم بتحويله كأداة للثورة المضادة في "روژ آفا"
ما بين هذه التناقضات بات لزاماً البحث عن حلٍّ لتلاقي الخطابين في المنتصف ليظهر "المخاطب الشرعي للكرد في سوريا " أمام دول القرار و الرأي العام العالمي ، ربما تكون المبادرة الفرنسية بصيص أمل في هذا المنحى ؟!

لا يتوفر وصف للصورة.