الشمس تشرق من بيروت ( فقرات من كتابي "ترميم الذاكرة")


1 قراءة دقيقة
06 Aug
06Aug

لن أنسى أوّل صباح أفقت فيه من النّوم في بيروت، في الشّقة التي تقع في منطقة الفاكهاني بالطّريق الجديدة ليس بعيداً عن مبنى جامعة بيروت العربيّة ولا عن مخيميْ صبرا وشاتيلا الشّهيرين. كان أحدهم قد فتح الرّاديو وكانت فيروز تغنّي: "حليانه الدّنيا حليانه بلبنان الأخضر". شعور غريب انتابني بالقرب الرّوحي من هذه المدينة، سيتطوّر فيما بعد إلى محبّة عميقة، وتعوّد كبيرعليها.
لم تكن تلك المرّة الأولي التي أزور فيها بيروت. لقد جئتها قبل ذلك الحين بضع مرّات، لكنّ أكثرها سطوعاً وحضوراً في ذاكرتي هي المرّة الأولى. لقد حدث ذلك في عام 1973 قبل التحاقي بالجامعة. تلك هي المرة الأولى التي أركب فيها الطّائرة، بلْ كانت أوّل مرة أسافر فيها خارج البحرين. وكانت بيروت - ولبنان عامّة - في تلك الفترة حلم المسافرين. كانت سفرة لا تُنسى؛ لأنّها اقترنت بقصّة الحبّ الأوّل في الحياة.
في الشّارع المتقاطع بين نزلة سينما البيكاديللي وشارع الحمراء في بيروت الذي يفضي بدوره إلى الجامعة الأمريكيّة في رأس بيروت يقع مقهى (المودكا) الأنيق الحميم. ولزمنٍ طويل ظللت وكلما سمعت أغنية فيروز: (في قهوة ع المفرق) تذكّرت هذا المقهى. لقد كان بالضّبط "على المفرق": مفترق الطّرق، ومفترق العمر.
ما أطيب ذكرى تلك السّويعات المسائيّة المعطّرة بالنّدى والياسمين! حين تطوف فتيات الغجر بقلائد الزّهور بحثاً عن عشّاقٍ يهدونها إلى من يهوون، وفيما تشيع في المكان رائحة القهوة المركّزة يتسلّل في الزّوايا صوت فيروز بكلمات سعيد عقل أو الأخوين رحباني القادمة من جبل صنّين أو من الضيع اللبنانيّة المستريحة على كتف الجبل فيغمر الأفئدة بالألفة والدّعة.
وبالجوار شارع الحمرا حيث الأضواء ودور السّينما والمقاهي والمحلّات وكلّ كتب الدّنيا المصفوفة على الأرصفة.
بيروت التي رأيتها في مطالع عام 1977 كانت مختلفة كليّاً. لقد دمّرتها الحرب الأهليّة وهشّمت مبانيها وقطعت أوصالها بالحواجز العسكريّة، وامتلأت ساحاتها وشوارعها وأزقّتها بالمسلّحين من الجنسيّات والاتّجاهات المختلفة. ولكنّ بيروت رغم ذلك ظلّت تنبض بالحياة.
كانت الصّحف تصدر في مواعيدها وتزخر المدينة بالمطبوعات. كان زياد الرّحباني يقدّم مسرحه السّاخر، الذي قدّر لي أنْ أشاهد عروضه وعروض يعقوب شدراوي وروجيه عسّاف ونضال الأشقر، وحفلات ماجدة الرّومي وفرقة فهد العبدالله، وكانت حفلات مارسيل خليفة وفرقة الميادين وخالد الهبر وفرقته أنشطة متكرّرة، وكان الجوّ الطّلابي اللبنانيّ والفلسطينيّ نشطاً.
ورغم الوضع الأمنيّ المتفجّر والاشتباكات المسلّحة المتكرّرة إلّا أنّني ألفت هذه المدينة كثيراً ووجدت نفسي فيها، وكانت دور السّينما تبثّ الأفلام السّينمائيّة الجديدة بعد فترة وجيزة جدّاً من إنتاجها وتوزيعها، وتتابعها الصّحافة الفنيّة والثّقافيّة بالتّعليق والشّرح على يد نقّاد معروفين مثل إبراهيم العريس وسواه، وكنت أواظب على حضور العروض السّينمائيّة الجديدة بشغف، هذا فضلاً عن النّدوات السّياسيّة والفكريّة التي كان الكثير منها يستهويني.
باحثة أجنبية وضعت بيروت في مرتبة متقدّمة، لعلّها المرتبة الثّانية، بين أكثر المدن حيويّة في العالم، وهي تحدثت عن مبنى متهاوٍ من آثار القصف وداخله يقام معرض تشكيليّ. وتحدّثت – أيضاً - عن هذا الإصرار العجيب لدى النّاس على الحياة والمقاومة والتّآلف مع خراب الحرب، لا برغبة قبوله وإنّما برغبة نفيه وتجاوزه، وليس في هذا مفاجأة للذين يعرفون بيروت، التي كانت والنّهار قرينين.
كان نهارها نهاراً وليلها نهاراً أيضاً. فالشمس تشرق من بيروت وتوزّع شعاعها على العالم العربيّ من أقصاه إلى أقصاه، ما كانت آخر الأفكار تتداول في مكانٍ ما من العالم إلا وتجد صداها كتباً مترجمة بعد حين في بيروت. وإلى بيروت كان رجال الفكر والثّقافة والسّياسة العرب يأتون بحثاً عن متنفّس لهم، عن كوى للحريّة والتّعبير والقول، ولعلّ العديد من هؤلاء لو سئلوا عن المكان الذي طبعوا فيه أولّ كتبهم لقالوا: بيروت.
بيروت والنّور قرينان. بيروت تدرّبت على مقاومة الظّلام هي التي اجترحت منذ مطالع القرن العشرين معجزة توليد النّور من قلب العتمة.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏سماء‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏