الاغتراب الوطني


1 قراءة دقيقة
01 Jul
01Jul

الاغتراب الوطني 


كانت تكلمني ويدها اليسرى على دولاب ماكينة الخياطة اليدوية، واليمنى تعدل بها القماش الملون المزركش ،فعيد نوروز سيهل قريبا ،
-كنتُ من الطالبات المتفوقات، وحصلت على مئتان وعشرين علامة في الثالث الثانوي العلمي، ولأن وضعنا المادي كان تعيس ، سجلت معهد اعداد المعلمين بالقامشلي عام 1989 نزولا عند رغبة والدي ،إلا إنني كنت أحلم أن أدرس الحقوق، ولكن كان من الصعب أن أدرس بدمشق ، بسبب ضيق الحال ، وكانت المصيبة ،بعد الدراسة حوالي الشهر بمعهد اعداد المعلمين (الصف الخاص) فوجئنا برئيس الدروس المسلكية أحمد الوقاع يقول لنا : ليس لكم مكان بيننا انتم اذهبوا إلى بيوتكم أنا و مجموعة زملاء ،وعندما حاول أخي الإستفسار، علم بأن اسمي من ضمن الأسماء التي مكتوب بجانبها خطر على أمن الدولة ،وتحت اسمي خط أحمر ،وقد سجن أخي لشهور لتطاوله على عنصر الأمن لأنه يقبل المال في سبيل رفع بعض الأسماء من تلك القائمة ،وهكذا أصبحت خياطة وزميلتي العربية التي نجحت بالمساعدة هي الآن طبيبة ،
هذه قصة من بين آلاف القصص التي دفعتني للبحث عن أسباب نظرة النظام للكورد تلك النظرة الأمنية البحتة وعدت للتاريخ منذ أيام الشيشكلي الذي قام بحظر المطبوعات الكردية رسميًا وبدأ التعريب ،وحظر أي نشاط للكورد، ومراقبتهم ،لم يلامس أي حزب في سوريا حتى ذلك التاريخ أمال وآلام الشعب الكوردي ،حتى الحزب الشيوعي الأممي، الذي من المفروض عليه أن يدافع عن حق الشعوب والقوميات المضطهدة ، رأينا أنه انصهر في بوتقة الأحزاب العربية ،فكانت بداية قصة الإغتراب الوطني والإحساس بضرورة وجود حزب يكون مدافعا عن الكيان القومي الكوردي ، فكان ولادة البارتي عام 1957 وطالب وقتها بتأمين الحقوق الثقافية والإدارية ضمن نظام ديمقراطي في سوريا، لكن هيهات أن تسمح القبضة الأمنية بحراك قومي كوردي حيث بدأت الملاحقات الأمنية في عام 1960 وتم اعتقال أكثر من 5000 شخص كوردي من كل أنحاء سوريا من عمر 12 سنة. وما فوق وعذبوا واهينوا حيث تم الإفراج عن قسم منهم وبقي 32 شخص سجين وجاء الحكم بالإعدام لثلاثة منهم ـ عثمان صبري و رشيد حمو و نورالدين ظاظا ـ لكن الحملات التضامنية الواسعة أجبرت السلطة على تخفيف الأحكام وجاءت لكل واحد احكام متفاوتة.
بعد ذلك بسنتين فقط تم اعتقال أكثر من 30 شخص من مؤيدي البارتي من مدينة عاموده بتهم ملفقة وتم تعذيبهم بوحشية .وبنفس العام كان البرنامج الأكثر شوفينية في 5/10/1962 البرنامج الذي حاول تعريب الكورد ،وصهرهم وتم حرمانهم من الجنسية السورية ،وكان بداية العمل الممنهج من أعلى المستويات لوضع خطط ومشاريع تستهدف الوجود الكوردي ،و جاءت حادثة اطفال عاموده ،حيث اعتقل مجموعة اطفال بتهمة كتابة عبارات على الجدران ضد الإنفصال ..انفصال سوريا عن مصر وانزال العلم السوري عن إحدى مدارس عاموده ،وتم تعذيبهم واهانتهم ولولا تدخل الوجهاء لما افرج عنهم ،
وما يزال المشروع قائم مشروع الملازم محمد طلب هلال رئيس الشعبة السياسية في الجزيرة آنذاك حيث قدمت بشكل دراسة عن الجزيرة من النواحي السياسية والاجتماعية والقومية ،والذي استهدف تجويع وتهجير الكورد ، ليتم التغير الديمغرافي ،فالنظام كان يعتبر الكورد دخلاء مهاجرين ولا حقوق لهم ،
ومرة أخرى كانت عاموده في الصدارة، وخرجت منها الشرارة حيث خرج طلاب الصف التاسع من مدرسة أبي العلاء المعري بمظاهرة في عام 1963 وجرى التحقيق معهم بأوامر من أمين الحافظ والمنفذ الملازم الأول رئيس شعبة الأمن السياسي بالقامشلي محمد الخطيب وتم ضرب وتعذيب وإهانة الطلاب وتلتها حملة اعتقالات لقيادي حزب البارتي. 1965 بعدها بسنة حيث الإنقلاب الذي أصبح نورالدين الأتاسي رئيسا للجمهوريه وحافظ الأسد وزيرا للدفاع 1966 ولم يتوقف العمل على تنفيذ مشروع محمد طلب هلال وكان الحزام العربي حيث تم اجبار الكورد على ترك أراضيهم الزراعية والذين رفضوا تم اعتقالهم وشملت هذه الحملة معظم فئات وطبقات المجتمع الكوردي وتم تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع المشؤوم حيث كان الهجوم المسلح وترهيب الكورد واعتقال الفلاحين ممن رفضوا ترك أراضيهم وعرفت تلك الحادثة انتفاضة علي فرو نسبة إلى اسم القرية التابعة للقامشلي وتم اعتقال حوالي 200 شخص بينهم أطفال ونساء وتم سوقهم الى سجن الحسكة وقد كتب الكثير من الصحفين عن تلك الحادثة حتى صحيفة لوموند ثم زار المنطقة الصحفي الفرنسي جان بيير رينو 1972 وكتب عنها .
ووجه الزعيم الكوردي مصطفى البارزاني رسالة إلى نورالدين الأتاسي يطالبه بالإفراج عن السجناء الكورد السياسيين .
وماتزال فصول المشروع المشؤوم تستكمل في ظل حكم حافظ الاسد الذي طبق الحزام العربي والإحصاء الجائر ،مما أدى إلى تدمير المجتمع الكوردي ،وتهجيره وتفقيره وهكذا تم ترحيل العرب من الرقة واسكانهم في أكثر الأراضي خصوبة من أراضي فلاحي الجزيرة وبالموازي مع المشروع كان يتم التعريب حيث منع إطلاق الأسماء الكوردية على المواليد أو المحلات التجارية وغيرها .
وتجددت الإعتقالات ،طالت هذه المرة أعضاء الحزب اليساري الكوردي لأنهم رددوا في احتفالية بعض الشعارات مثل ..
عاشت الأخوة العربية الكوردية
.على صخرة الأخوة العربية الكوردية تتحطم مؤامرات الاستعمار والصهيونية .
عاش نضال المرأة العربية والكورية.....
كان وقتها المسؤول عن شعبة الأمن السياسي فريد شهلا ،الذي استدعى مرددي الشعارات وكانوا مجموعة طلاب، وتم تعذيبهم وسجنهم والتهمة كانت ( ايقاظ النعرات العنصرية)
وما يزال مسلسل الاعتقالات مستمر حيث كان هذه المرة من نصيب حزب العمل الشيوعي 1987. وتم اعتقال أكثر من 40 شخص من كل مدن الجزيرة ،وكان المسؤول محمد منصورة ،رئس فرع شعبة المخابرات في القامشلي ...وكانت تلك نقطة تحول حيث بدأ الكورد يبحثون عن بدائل، فكان التفكير وطنيا واعادوا رص الصفوف الحزبية الى مستوى محدد وساد بعض السكينة وكان دخول بعض أعضاء وحزب العمال الكوردستاني 1984 الذي كان مرحبا به من قبل النظام فنشاطه يستهدف تركيا ،
لا يضير بل وجوده على الأراضي السورية ينفع ،ومع ذلك كانت هناك حملات تطالهم لأسباب عديدة ، رغم تحالفهما الظاهري معاً ،
جاءت بعدها حادثة الملصقات من قبل حزب يكيتي ٢٠٠٢ حيث كانت مناسبة الإحصاء الجائر ،عمد بعض أعضاء الحزب إلى إلصاق بياناتهم مبينين فيها الظلم الواقع على الكورد بتجريد حوالي 120. الف شخص كوردي من الجنسية السورية ،ومرة أخرى تجدد مسلسل الاعتقالات، وطال حوالي 100 شخص، حيث تم الإفراج عن بعضهم والبعض حكم عليه بفترات متفاوتة ،
في 2003 قامت مجموعة أحزاب كوردية بتنظيم إعتصام من ضمنهم أطفالا من المجردين من الجنسية السورية كان يطلق عليهم (أجانب الحسكة ) وكان ضمن مطالبهم الإعتراف باللغة الكوردية ، أمام مقر اليونيسف بدمشق ، فكانت حملة اعتقال جديدة طالت سبعة أشخاص وحوكموا بفترات متفاوتة ودائما حسب المادة 267 ع.ع
إلى أن نصل الى انتفاضة قامشلو حيث حادثة الملعب ،ووجود فريق الجهاد للقامشلي وفريق الفتوة لدير الزور 12/3/2004 والإقتتال بين مشجعي الفريقين وكثيرين يؤكدون بأنها كانت مسرحية معدة مسبقا ، حيث الرصاص الحي بأوامر من سليم كبول محافظ الحسكة ضد المدنيين العزل ، وانتفضت وقتها معظم المدن الكوردية واغلب الجاليات الكوردية في العالم متضامنين مع أهلهم في الداخل و السلطة لم ترحم الكورد فقتلت أكثر من 36 شخص وإصابة أكثر من 160 بجروح وإعتقال أكثر من 2000 شخص حيث التعذيب الوحشي وكان الإفراج عن بعضهم بفترات متباعدة كان آخرها بموجب عفو عام رئاسي 2005 ، وفي 2008 حيث عشية نوروز والشباب يشعلون الشموع ويغنون على الطريق العام في القامشلي وتحديدا عند مكتبة آواز ،حيث فُتح النار بشكل مفاجئ من قبل قوات نظامية على تجمع الشباب المحتفلين ،وسقوط ثلاثة شبان ، محمد ،ومحمد ،ومحمد ، ويصاب عددا آخر بجروح وتم إغلاق الطرق حتى الأهالي لم يستطيعوا اسعاف جرحاهم ، وقتها لم نسمع اي صوت من اي مدينة سورية عربية تتضامن مع الكورد بل كان النقيض تماما ،
إلى الرقة حيث الجالية الكوردية تحتفل بعيد النوروز 2010 وكان النظام قد انقلب وقتها على حزب العمال الكردستاني بسبب توقيعه اتفاقية اضنه ،فهاجمت دورية الإحتفال وقتلت ثلاث شباب وجرحت أكثر من 40 شخص وتم اعتقال الجرحى ،
واستمر تجاهل النظام للكورد في تصاعد ،وكانت التهم جاهزة مسبقا لأي طالب يحاول تسلق درجات العم فبمجرد كونه كوردي فهو محروم من الإنتساب للنقابات والهيئات، وخريجي الجامعات الذين أكملوا دراستهم في جامعات المدن الداخلية ،محرومون من ممارسة المهنة مثل المحاماة حيث يمنع تسجيلهم في نقابة المحامين العرب ..الا أكراد الداخل الذين لا يعترفون بأصولهم الكوردية،
وطبعاً البعثات العلمية لنيل شهادات الماجستير والدكتوراه في الخارج كانت مستحيلة واقصى حلم للكوردي، المحروم من الجنسية والتي تتطلب موافقة أمنية فمحافظة الحسكة التي تبلغ مساحتها 32334 كيلو متر وتضم 16 منطقة ونواحي وحوالي 2400 قرية لم يكن فيها سوى مركز ثقافي واحد إلى مدة ليست ببعيدة ، ونسبة الأمية كانت مرتفعة، ولم يكن فيها جامعة رغم أن سوريا توفرت فيها الجامعات منذ عام 1958. ومع ذلك بقيت المناطق الكوردية خارج نطاق الخدمات وهي السلة الغذائية لكل سوريا ،وما تزال محاربة الكورد مستمرة إلى يومنا هذا رغم إنهم ساهموا بفاعلية بطرد قوى الظلام من الأراضي السورية دون تميز بين المناطق ،وكان لهم الفضل الأكبر في القضاء على تنظيم داعش ، وضحوا بأرواح ألاف الشباب الكورد ،
ومازال النظام السوري يصف الكورد بالانفصالين رغم تصريحهم كل وقت أنهم مع سوريا موحدة ،إلى يومنا هذا لم يطالب اي حزب سياسي كوردي بالانفصال انما كانت المطالب ضمن اللوائح العالمية لحقوق القوميات ،…..