الأمُّ قاموسُ الحياةِ


1 قراءة دقيقة
02 Sep
02Sep


يكتبُ المرءُ لمَنْ يحبُّ و تتحرَّكُ المشاعرُ لمَنْ تحسُّ ، و نتنفسُ الهواءُ حُبَّاً لمَنْ نودُّ العيشَ معهُ ، و يخفقُ القلبُ لمَنْ يهوى و ننظر إلى الحياة من حولنا و نتأملُ البقاء و نناشد القدرَ و نسارع في الكتابة ، و نبحثُ عن الكلمات لكي نملأ الفراغاتِ ما بينَ السطور ، و نبدأ بالكتابة لمَنْ نحبُّ ، لكي نصلَ إلى كيانه و مُلامسةِ معاناته ، و ندقّقُ في مسيرة حياته لنكتبَ عنه ما يستحقُّ منا ،

و هذا ما شدَّني إلى الكتابة عن أجمل سيدةٍ في الكون ، لأزفَّ حروفي إلى تلك الإنسانةِ التي لا تلينُ الصخور إلَّا لحنانها ، هي أمي شذى عمري و عنوانها العطاءُ ، و الجنَّةُ تحتَ أقدامها ، و لعظمةِ دورها في حياتنا فقد تكرَّرَ اسمُها ثلاثَ مراتٍ في حديث أبي هريرة ، حينَ قالَ : جاءَ رجلٌ إلى رسول اللَّهِ (ص) ، و قالَ : مَنْ أحقُّ الناس بحُسنِ صحابتي ؟ قالَ : أمكَ ، قالَ ثمَّ مَنْ؟ قالَ : أمكَ ، قالَ ثمَّ مَنْ ؟ قالَ : أمكَ ،

و لذا َ لأنَّ الأمَّ هي الملاذُ الآمنُ و الحصنُ المنبعُ الذي يختبئ خلفهُ الأبناء مهما بلغوا من العُمرِ، و هي ثمرة الكرم والصبر والتضحية ، هي سيدةُ الجنة و فِردوسها الأعلى ، و نعيمها الباقي ، هي التي تعطي و لا تنتظر العطاء من أحدٍ ، يا أجملَ السيدات و أفضلَ الحسناواتِ يا رمزَ المحبَّةِ و العطاءِ ، يا مَنْ سدَّدتِ طريق الضياعِ أمامنا، لنعيشَ سُعداءَ ، يا مَنْ أغلقتِ بابَ الأوجاعِ في وجهنا ، لنحيا بلا ألمٍ ، يا مَنْ أرادتِ الرحيلَ و أخذَتِ المفتاحَ معها لكي يبقى بابُ المعاناةِ مغلقاً أمامنا إلى الأبد .

في الحقيقةِ لا أعرفُ من أينَ أبدأ ؟ و ماذا أكتبُ؟ و بماذا أشبِّهكِ ؛ لأنَّ الإحساسَ لا تساعدني على التعبير و القلمُ يبخلُ عليَّ أيضاً ، لهذا قرَّرتُ أنْ أسمِّيَكِ قاموسَ الحياةِ ، و أشبِّهكِ بكلّ شيءٍ جميلٍ في ظاهرها و جَوهرها ؛ لأنكِ أنتِ الحياةُ بحُلوها و مُرِّها ، أيتها الحنونةُ النابعةُ من منبعِ المحبة و الحنان ، و استمدَدتِ القوةَ من المودة والمثابرة و قسوة الحياة ، و بادرتِ إلى الخير و العطاء ، رغمَ كلِّ التضحيات ،

لذا كانَ يُلقِّبُكِ أهلُكِ بالمرأة الحديدية ، و من طرف بيتِ حماكِ كانَ لقبُكِ المرأةُ الذهبيةُ ؛ لأنَّها أنجبتِ الكثيرَ من الأولادِ ، لهذا لقَّبوها بالمرأة الذهبية ، نعم أيتها اللطيفةُ الراقية ، لقد عانيتِ كثيراً في حياتكِ يا أمي، و تعذبتِ كثيراً ، و تحملتِ كثيراً حينَ ظلمكِ القدرُ و تزوجتِ في صغر سنكِ ، فانقلبت حياتكِ من النعيم إلى الجحيم ؛ لأنكِ كنتِ تعيشينَ حياةً مُرفَّهةً بين أهلك و بعدَ الزواج تغيَّرَ كلُّ شيءٍ بالنسبة لكِ من حياة المدن و رفاهيتها إلى حياة القرى وصعوبتها ، و هكذا كانَ قدرُكِ أنْ تتحمَّلي كلَّ المعاناة في بداية عمرك ، و كم كانَ يصعب عليكِ حياةُ القرى و عاداتها و تقاليدها ، فكانَ كلُّ شيءٍ غريباً عليكِ ، حتى إنَّهم كانوا ينتقدونكِ و يقولون لكِ : المرأةُ الغريبةُ .

يا إلهي ، ما أعظمَ صمودكِ و إصراركِ على الحياة أيَّتُها المرأةُ ! و كيف تحملتِ كل هذا ، و تأقلمتِ معَ عاداتهم و تعلمتِ كلَّ شيء ، كالنسيج والصوف و التطريز ، و صُنع الخبز ، و عملِ المنجل ، والخنجر ، وحصاد اليد و ركوب الخيل، و كيفية التعامل مع المواشي وتربية الحيوانات والدواجن ... إلخ ، كلّ هذه الدلائل كانتْ تدلُّ على إصراركِ على التمسُّكِ بالحياة من أجل الحفاظ على بيتك و كرامة أهلكِ رغم الألم الكبير الذي كان في قلبك ؛ لأنكِ عشتِ حياةً لا يحسدُ عليه أحدٌ ، ذقتِ مرارةَ الدنيا بكل أنواعها ،

و هذا ما جعل لكِ مكانَ الاحترام و التقدير لدى الجميع ، نعم أيتها الصامدةُ و أيتها البعيدةُ عن أبنائها ، إنَّ قصةَ حياتكِ لا تنتهي بكلماتٍ ، و لا مئات الكتبِ ، لذا فبحقِّ مَنْ أبعدَ السمواتِ عن الأرضِ ، و خلقَ الشمسَ والقمرَ ، و جعل من الشجر الأخضرِ ناراً ، فإنَّكِ تستحقينَ أن يكونَ لكِ تمثالٌ من الذهب ، و نضعهُ وسطَ سياج بيتكِ ، لكي يبقى ذكرى و شاهداً على نضالك ومقاومتك في سبيل العيش مع تلك البيئة التي كانت تختلفُ عن طموحكِ و أحلامكِ التي هي من حقكِ الطبيعي ، ورغمَ ذلك فقد تمسكتِ بإرادة و عزيمةٍ صُلبةٍ لتكونينَ أقوى من الحياة ذاتها ، و لكي نتعلمَ منكِ الصبر و الإرادة يا سيدة النساء و أحنَّ الأميرات من بين النساء العفيفات ، نعم هي تلك المرأةُ الكورديَّةُ قدوةٌ لحاضرها و ماضيها و نورٌ لمن يَصِفُها و يتبعها، و شعلةٌ لمن يمسكها و يرفعها للافتخارِ بها .