افتحْ أَبْوَابَكَ يَا لُبْنَانُ


1 قراءة دقيقة
07 Aug
07Aug

افتحْ أَبْوَابَكَ يَا لُبْنَانُ، فَتَأْكُل النَّارُ أَرْزَكَ. وَلْوِلْ يَا سَرْوُ، لأَنَّ الأَرْزَ سَقَطَ، لأَنَّ الأَعِزَّاءَ قَدْ خَرِبُوا. وَلْوِلْ يَا بَلُّوطَ بَاشَانَ، لأَنَّ الْوَعْرَ الْمَنِيعَ قَدْ هَبَطَ. إذا فتحنا صفحات التاريخ، وفتحنا الكتب المقدّسة رأينا كم مرّة ذُكر لبنان فيها، لبنان هذا البلد القديم، يعود ذكر تاريخ لبنان المدون إلى 5000   سنة وكان سكان هذا الساحل الشرقيّ للبحر الأبيض المتوسّط من الكنعانيين الساميين من سام بن نوح. دعا الإغريق سكان هذه المناطق بالفوينيكوس )phoinikies) وتعني البنفسجيين، وذلك نسبة إلى اللون البنفسجيّ الذي طغى على ألبستهم، وللصباغ الأرجوانيّ الذي اشتهروا به، وهكذا عرفوا بالفينيقيين في الآثار القديمة. لكنّ أهالي هذه البلاد أطلقوا على أنفسهم اسم "تجار من صيدا"، وعلى بلادهم اسم "لبنان" بسبب موقعه وطبيعته. بيريتوس (الاسم الإغريقيّ لبيروت) اشتهرت بتجارتها ومراكز العبادة. صيدا، صور اشتهرتا بتجارتيهما البحريّة، أمّا مدينة جبلا التي اشتهرت بيبلوس (واليوم تعرف بمدينة جبيل) فاشتهرت بمراكزها الدينيّة، وتجارتها مع مصر القديمة ما بين ٢٦٨٦ ق.م و٢١٨١ ق.م بحيث صدّرت خشب الأرز وزيت الزيتون والنبيذ، واستوردت الذهب من وادي النيل. الفينيقيون: في القرن ١٢ ق.م فرض الفينيقيون وجودهم، فكانوا سبباً في ازدهار المنطقة، وفي هذه الفترة استعمل الفينيقيون أحرفاً أبجديّة اعتمدت على ترميز مخارج الصوت بدلاً من تصوّر المعاني، وعلّم الفينيقيون شعوب البحر المتوسط الكتابة مستعملين أحرفهم فيما عرف بالأحرف الأبجديّة. ذكر اسم لبنان أكثر من ٧٢ مرّة في الكتاب المقدّس. لبنان تغنّى به الأنبياء على مرّ العصور من سليمان الملك إلى أشعياء النبيّ. لبنان الذي قدّموه مثالاً للخصب والجمال والعبرة والخلود كان رمزاً للهيكل المقدّس. إنّ الصور التي ظهر فيها لبنان في الكتاب المقدّس من أجمل الصور، أسطورة خارجة عن المألوف، لبنان اللبان الأبيض، بدوام بياض قممه، وأشجار الأرز البخور الدائم الخضرة رائحة سلامة تصعد نحو السماء. لقد وصف لبنان على أنّه بلد الخيرات، المزهر كالنرجس، وبهاء لبنان في أجمل حلة، يزهر كالسوسن، ويتفيّأ في ظلّه كلّ من قصده. لبنان عريس النشيد يتغزّل بحبيبته، يدعوها إلى خلوة، يدعوها: هلمّي معي من لبنان أيتها العروس. تلك العروس التي رائحة ثيابها من رائحة لبنان. ماذا أكتب بعد عن لبنان يطول الحديث عن ذلك البلد الذي فتح أبوابه للقاصي والداني على مرّ العصور. تعاقبت عليه الاحتلالات، وما زالت بعلبك وعنجر تشهد، والآثار في صور وجبيل وصيدا شاهد حيّ على هذا البلد الذي كان مطمع الآخرين على مرّ العصور إلى يومنا هذا. اختلفت الأسماء والمحتلّ والطامع واحد. بيروت الأرض المحروقة، ما كان ذنبك أيتها العروس كي ينال منك أعداء الحياة؟ ويجتثّ جمالك عن وجه الأرض بأبشع الوسائل؟ التفجير الأقوى بعد هيروشيما وناغازاكي. بيروت عروس الشرق "بيروتشيما". إنّ البحر يبكي بنيك، لا عجب من اللون الملوكيّ الذي استخرج من أصداف بحرك، فهو يصبّ أنهر دماء بنيك فيه، لتتكون تلك اللؤلؤة البنفسجة صدفة الموركس. لا عجب من أرضك أن تنبت السوسن، هذه الأرض التي ضمّت أشلاء محبيك وسكانك. لقد فتح لبنان أبوابه، فأرادوه أرضاً محروقة، امتدّت يد الغدر، وقطفت سنابل القمح، وحصدت الأرواح. هذا البلد الذي صدّر الحرف والجمال، ولجأ إليه كلّ مضطهد، هذا البلد الذي نشر الثقافة، وتغنّى بالحرية. بيروت المدينة التي لا تنام، العروس المطرّز ثوبها من زبد البحر، ومكلّل جيدها بالعقيق والزبرجد. بيروت يا قبلة على جبين الكون، يا أنثى تغنّى بها الشعراء والأنبياء. بيروت اليوم تبكي، تصرخ هل من مجيب؟ بيروت أمٌّ ثكلى تبحث عن وليدها بين الأنقاض، طفل رضيع احترق بين ذراعي أمّه. بيروت شابّ قاوم النار بجسده، غدير يغذّي البحر بدم الشباب، بيروت تزرع الأرض من أشلاء الأحبّاء، بيروت دكّ صدرها بنار الغدر، تحترق ببطء مهشّمة محطّمة، فغرت الأمم فاها كي تبتلعها، بيروت يا وجعاً لا تستطيع الأبجدية أن تكتبك، أغصان الأرز نعوشك. بيروت هجر الطير سماءك، وشجر السنديان يبكي بلهفة أغنية طيرك، صمتت فيك الأغاني، واتّشحت بالسواد صخرة الروشة، بيروت البحر والسماء والجبال تردّد صدى ألمك ووجعك، أيتها المدينة، زينة المدن وعيد الأعياد، انتفضي من تحت الأنقاض، وسيري بإباء، قومي من تحت الردم، أشعلي فانوس الحبّ، أضيئي وجه الأرض، أنت نبراس الأمل، أنت الحياة.