أوهام العقل - الأورجانون


1 قراءة دقيقة
09 Jul
09Jul

- ماهو ساحر في صراع الحقيقة ، والوهم منذ الأزل هو ان عقلنا كان يتطور باستمرار من رجل الكهف إلى رجل الفضاء باحثاً عن نجمٍ هارب خلف السحاب ، أو تنين توارى في ظلمة الضباب أظهر جلياً الخرافة ، و الأسطورة ، و أزال الغموض الضبابي بأمطار النثر ، و أطلق طاقات العقل الخلاقة التي لا تُنضب (( لم يرى احد اسباب اخطاء الانسان اكثر من بيكون )) ، كونديال .
اعتبر بيكون الذهن البشري اشبه بمرآتٍ غير مصقولة تُضفي طبائعها الخاصة على الاشياء فتشوهها ، وتفسدها .
اذ يقول الخطأ الكبير للحواس هو انها ترسم خطوط الطبيعة بالاطار المرجعي للانسان ، و هذه المرآت بحاجة الى صقلٍ دائم ، و مستمر من كل الرواسب والشوائب حتى تصبح اكثر انعكاساً لحقيقة المرئيات في حين يرى " جون لوك " إن عقلنا يولد عبارة عن صفحة بيضاء ، ثم تبدأ حواسنا ، وتجاربنا ، وخبراتنا بالتدوين عليها الى ان نصبح مانحن عليه !
افكارنا المستمدة من تجاربنا السابقة تكون في عقلنا مايشبه النماذج الذي يقاس عليها مدى صحة اي فكرة جديدة !
أما عند "اوغست كونت " كل معرفتنا تبدأ من الحواس ، ثم تعود الى الفهم وتنتهي بالعقل لا يوجد شئ أعلى من الحواس .
يرى " بيكون " إن كل الفلسفات القديمة ، والسابقة ، والرائجة أشبه بمسرحياتٍ هزلية زائفة تخلق عوالم وهمية اكتسبت قوتها الاقناعية من خلال التقليد ، و التصديق الساذج ، و القصور الذاتي . كل حقيقة كانت في سياق السقف الزمني .
تبلور منهج "بيكون " التجريبي كانت نقطة انعطاف في الفكر الاوروبي الذي تغلب فيه عقل العالم على عقل الساحر ، ومهد طريق الحداثة ، والنهضة الاوروبية ، و اوصلتها الى الثورة الصناعية الرابعة المعاصرة .
كتب وول ديورانت في كتابة قصة الفلسفة " كان بيكون صوت جميع الاوروبيين الذين حولواالقارة الاوروبية الى ارض كنوز للفن والعلم ، وجعلوا منها مركز العالم " حدث في عصر بيكون العديد من الاكتشافات العلمية كالطباعة ، و البارود ، و البوصلة ، و غيرها . اصبح منهج بيكون التجريبي احد دعائم النهضة الفكرية والمعرفية في اوربا .
صدر في عام 2012 كتاب الاستاذ عادل مصطفى اوهام العقل " الاورجانون الجديد " وصف فيه بأدق مفردات البلاغة ، و الفصاحة فلسفة بيكون ، و أورغانونه الجديد إذ جاء فيه : كان بيكون احد امراء البيان في كل العصور ، وقد تسنم قمة النثر الانجليزي ، واللاتيني مثما تسنم شكسبير قمة النثر الانجليزي لانجد نظيرٍ له في رشاقة العبارة ، الثقة ، و الرصانة ، و إنتزاع إعجاب بفصاحته فكان خطيباً مفوهاً جذل العبارة محكم السبك لا يشق له غبار .
إن أي فكرة يمكنه ان تتطور بالتضاد ، و التقاعل مع فكرٍ نقيض اخر من منظور نقدي متعدد الابعاد " لذا وقر في ذهن بيكون منذ عمرٍ مبكر إن الفلسفة السائدة في زمنه هي فلسفة نظرية عقيمة لا تثمر نفعاً علمياً تذكر .. لذا كرس حياته في القضاء على سلطة القدماء ، و الدعوة الى فلسفة جديدة ذات ثمار علمية تعين الانسان في بناء ذاته ، و تطوير حياته ، و تحسين عمله في السيطرة على الطبيعة بعيداً عن مزامير اليونان وطبولها .
استبدل بيكون المنهج التجريبي ، و الكشف الاستقرائي مُعلناً انتصار التجربة على الوهم ، و الخرافة كان منهجه الثوري بمثابة طفرة جديدة في الوعي المعرفي بمقاييس ذلك العصر ، و اعلان القطيعة مع منهج ارسطو القياسي الذي ساد الفكر الاوروبي ، و العالمي .
يتحدث بيكون عن ( اربعة انواع من الاوهام تحدق بالعقل البشري ) ، و تظل تلاحقه في العوالم .
- أوهام القبيلة : مالم يأخذ البشر حذرهم ، و يحيطوا انفسهم منها قدر ما يستطيعون للخروج بالعقل من النمطية ، و التدجين ، و الانغلاق ، و تحريره من العصبيات القبلية والعشائرية التي تكبل العقل الوجداني العاطفي الشرقي .
يرى بيكون حواس البشر قاصر عن ادراك كل شئ في الطبيعة إن العين البشرية لا تلتقط كل ضروب الاشعة ، والموجات الصادرة من الاشياء التي لا تمسها مباشرة مهما علا شانها هذا ما يجعل التأمل يتوقف في كافة الاحوال حيثما يتوقف الحس .
نحن نأخذ بالشواهد الايجابية بغض النظر عن الشواهد السلبية يسمى هذا انحياز التأييد دون تفنيد .
نأخذ بشواهد لافتة قليلة ، وتظن ان كل شئ يسير على غرارها وفي مجراها إلى التسرع في التعمم ، والاحتكام الى العواطف ، والاهواء ، او مانحبذه ، و نجعل من الحواس مقياساً للاشياء في اجواءالارتهان للخرافة ، و المكابرة ، والغطرسة .
لا نرفض ماهو تقليدي خوفاً من رأي العامة .
يميل الفهم البشري الى التجريد ، ويفرض جوهراً ثابتاً على الاشياء المتغير ، و المتحولة .
تكسب اوهام القبيلة صفة العمومية عند معظم الناس كإطلاق الاحكام المسبقة والتسرع في إطلاق الفرضيات ، و عدم الربط بين المقدمات ، و النتائج تبعاً للرواسب ، و الاوهام المعرفية ، و هنا نشير الى بعض الانحيازات المعرفية لتوضح ماذكر :
- تأثير الهالة : "ادوارد ثورندايك " ، و هي ربط صفات جسمانية بصفات شخصية أي مظهر الشخص ، او القياس على الانطباع الاول مُنحنى الغباء "دانينغ _كروجر"
ميل الاشخاص ذوي القدرات المحدودة الى وهم التفوق ، و يظهر المنحنى بدراسة مستفيضة انه كلما زاد جهل الانسان زاد ثقته بنفسه ، قال إنشتاين : كلما ازدت علماً كلما احسست بجهلي .
- انحياز التأكيد : يقول غوستاف لوبون لا يستطيع الانسان العيش دون وهم ، أو أمل .
ميل الناس الى تأييد مايوافق معتقداتهم ، و افتراضاتهم السابقة ، و القياس عليها كنموذج ، و دحض الاراء ، و المفاهيم الجديدة التي تتعارض مع افكارهم الراسخة .
- انحياز الحس المشترك : الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي هي الافكار ، و المفاهيم الرائجة ، و السائدة التي يتداولها عامة الناس تحدد نمط تفكير جماعة بشرية معينة ، و تصبح مألوفة عندهم ، و من الانحيازات المعرفية الاخرى : تحييز القطيع , التحييز السلبي , تحييز الاستخفاف .تحييز الوضع الراهن ، و الخوف من التغيير ، و غير ذلك ، و قد وصف الكاتب البريطاني الساخر اوهام القبيلة بقوله : سامحة فهو يعتقد ان عادات القبيلة هي اطار الكون .
لا يزال في المجتمعات المتخلفة الانتماء القبلي ، و العشائري اكثر حصانة من أعلى درجة علمية ، او تخصص. يتربص بالبناء الفوقي ، و علاقات الانتاج ، و يصبح عقبة في طريق تطوره ، و يمنعه من اللحاق بالركب الحضاري ، و الديمقراطي العالمي .
- اوهام الكهف : هي الاوهام التي ترتبط ببيئة الانسان منذ نشأته بدو ، حضر ، جبل ، سهل ، ريف ، مدينة ، اي مدى انغلاق ، و إنفتاح على الثقافة ، و مصادر المعرفة كانت امثولة افلاطون نموذجاً مصغراً للوعي الزائف بالمعنى المجازي للعقل المغلق الذي فقد اتصاله بالعالم الخارجي ، و يمكن الاشارة بهذا الصدد الى اشكالية الاطار العقلي عند "د. علي الوردي" الذي يحصره في الدغمائية ، و الجمود .عقل مغرم بالقديم يعيش صاحبه خارج الزمن ، و على هامش الحضارة البشرية مغرق في التعصب الاعمى للنسق القيمي للفرد المأدلج في مجتمع حاضن للاستبداد والتخلف والفساد .
يمكني الاشارة الى متلازمة بطانة السلطان ، و هي تتشابه عموماً في معظم المحميات الورائية الاستبدادية . افراد حاشية السلطان يقفون حوله كالاشجار الكثة يحجبون عنه رؤية الغابة وفي ظل الرومانسية المكيافيلية المفعمة بأكسير الاندروفين يفقد الحاكم ارتباطه بالواقع ، و يصيب بعمى الالوان لا يميز الباطل عن الحق مما يؤدي الى تناقض تناحري بين البناء الفوقي والبناء التحتي .
- اوهام السوق : تنشأ بسبب سوء استخدام الوظيفي للغة بعيداً عن الضبط المنطقي : ترادف تجريد غموض تداعيات الالفاظ شيوع بعض المفردات الرائجة في التداول يحدث تأثير متبادل بين الالفاظ تعترض تقاوم التغيير، و هي ما إلا صورة للمادة . الالفاظ لا تجدد مدلولاتها بدقة ، و يظهر قصورها في الحياة العملية كما في ترادف الكلمات ، و قياس الاشياء وفق معايير معينة يؤدي الى قصور معرفي هنا يمكننا الاشارة الى دور الاشاعة في هبوط الاسعار في البورصات كالنفط ، والعملات ، و الذهب ، و رواج بعض الماركات ، و العلامات التجارية ، و الفتشية السلعية إنتشار التشئ ، و الاغتراب .
- اوهام المسرح : هي الاوهام التي تسربت الى عقول البشر من النظريات ، و المذاهب القديمة ، و الاوهام التي فرضت نفسها على الاذهان نتيجة احترامنا الزائد لآراء القدماء. هي ، اوهام زائفة تنتج من التأثر بآراء المشاهير ، و المبدعين ، و المفكرين خارج سياقاتها .
يقول : "بيكون " اكبر عائق امام الفهم البشري على الإطلاق ، و أكبر زيغ إنما يأتي من بلادة الحواس ، و خداعها فالاشياء التي تمس الحواس لها ارجحية على الاشياء التي لاتمسها مباشرة . مهما علا شأنها هذا يجعل التأمل يتوقف في اغلب الاحوال حيثما يتوقف البصر بحيث لايؤبه للاشياء غير المرئية .
تطور الحواس في عالمنا المعاصر ، و تطورت القدرات العقلية بشكل طردي معه على نحوٍ خارق ، اذ اصبح العقل يتحكم بكم هائل من البينات ، و تطور الحواس بأضعاف المرات انتشار الحاثات الالكترونية ، و اجهزة الاستشعار ، و التقانة المستجدة ، والاقمار الاصطناعية. وكواشف سبر الاغوار للكشف عن جميع أنواع المعادن في اعماق الأرض.في البحار والمحيطات .
تجاوز العقل البشري مفهوم بلادة الحواس. الميكروسكوب الالكتروني يكبر جسيم مثل فايروس كورونا اكثر من مليون مرة ويمكن اجراء عمليات جراحية على الدماغ نفسه عن بعد وهناك مراكز عالمية لدراسة نشاط العقل ، و الدماغ البشري ، و ظهر مفهوم ما يسمى بالذكاء الاصطناعي .
المعرفة الحقيقية هي ان نعرف مدى الجهل الذي نعيشه نحن ) "كونفيشوس" . )
من اشد الاخطاء التي يرتكبها العقل السياسي الاحادي الغارق في الاوهام .تحمل في طياتها اخطاء جسيمة الشعب والوطن . القرارات المصيرية الخاطئة تؤدي الى هلاك الامة . إن تجنب مثل مثل هذه الأخطاء الفادحة أنما يتم بإنتزاع القرار السياسي من أيدي التحوت ، و متوسطي العقول على حد تعبير "د. احمد برقاوي" ، و تكوين ما اسماه نابليون هيل (( مجموعة العقول الموجهة )) الخاضعة للعصف الذهني التي تدير دفة السياسة ، و تتخذ القرارات السياسية ، و المصيرية ، و مرض الجاهل جهله أنه يجهل .