حوار مع الكاتبة والناقدة التونسية هيام الفرشيشي


2 قراءة دقيقة

يسعدنا أن يكون ضيف حوارنا اليوم كاتبة وناقدة وشاعرة وعضو في الهيئة المديرة لنادي القصة العريق بتونس تتحلى بروح العطاء الدائم للحب والانسانية صديقة الشعب الكوردي وقد ترجم العديد من قصائدها الى اللغة الكوردية السورانية الشاعر عباس قادر والكورمانجية الشاعر لزكين أحمد هيام كاتبة وناقدة جريئة تمتلك أحرف مميزة تختلف بلونها واسلوبها عن غيرها لا بل إنها تطاوع الحروف فتجعل منها قلادة خاصة تضعها على صدر الثقافة والأدب تمتلك روح جميلة وأنيقة في الحوار والطرح الجميل يسرنا أن نغوص معها في هذا الحوار لنتعرف أكثر عليها وعلى نتاجها الفكري والانساني وسؤالنا المعتاد دوما

س1_ من هي هيام الفرشيشي ......؟

 هيام الفرشيشي كاتبة من تونس. قاصة وناقدة في الصحافة الثقافية . ومشرفة على العديد من الأنشطة الثقافية في تونس من بينها "بيت السرد" و"بيت الفكر والإبداع". عضو في الهيئة المديرة لنادي القصة العريق بتونس.

س2 أهم أعمالك أو نتاجاتك الأدبية والصدى الإعلامي لها في تونس والعالم العربي؟

 نشرت مجموعتان قصصيتان: المشهد والظل أوشام سرية ومجموعة قصصية تحت الطبع: خيال الموج وقد لاقت نصوصي الاهتمام النقدي والإعلامي والتتويج وترجمة بعض النصوص في مجلات عالمية مهمة. في النقد صدر لي كتابان: اوركسترا الشاعر الرواية لدى الناصر التومي شهادة على العصر. ومشاريع كتب نقدية في طريق النشر.

 س3 كيف بدأت العلاقة بينك وبين الكتابة ؟ وما هي أهم ملامح تلك البدايات؟

 لا أخفي سرا حين أرجع بدايات الكتابة لمرحلة الطفولة، وقد كانت على شكل ارتسامات وقصص تتشكل في الذهن. الطفولة هي اكتشاف تفاصيل الفضاءات والشخصيات والشخوص من خلال تنقلي المستمر بين المدينة والقرية، الرحلات في المصائف للأماكن الطبيعية والأثرية، الإصغاء إلى أصوات الطبيعة وهي تعزف سرديات أبدية. الظلال وهي تنسج التخيلات وتبعث في نفسي حالات الغموض. الوجوه والأمكنة التي حيكت حولها خرافات مرعبة تنسج قصص الرعب في زوايا ما من الذهن. تفاصيل الأمكنة، خصوصيتها الهندسية، والثقافية والاجتماعية وعاداتها وتقاليدها وطقوسها. الاختلاف يحقق ثراء الصور والرؤى حولها. 

التجارب الحسية الطفولية في التعامل مع عناصر الطبيعة، التراب، الماء، الريح، المطر. اللعب والتقمص ولعب أدوار اجتماعية من خلال ما نجده أمامنا في الحديقة والغرف وصنع جدران من القماش و سعف النخيل. في مرحلة الطفولة كنا نكتب بطريقتنا ونتخيل، و في لحظات خاصة خارج التقمص لا نكتفي بمواد الواقع وإنما نترك خيالاتنا تحلق في عالم لا يتقيد بمحددات الأطر الجامدة.. لذلك احتفظت الكثير من صور الذاكرة الطفولية بنقائها وعذريتها ووجدت لها مكانا في قصصي الحديثة على الرغم من أنها ترصد مشكلات الواقع. إلا أن الذات التي تتمثلها لها تراكمات إبداعية مؤثرة كالمرافئ التي أعود إليها حين تعلو موجات الواقع الخانق.

 س4_ هل واجهتِ أيَّة صعوبات في بداية مشوارك في الكتابة؛ سواءً من الأسرة أو المجتمع؟

 كتبت في فترة زمنية لم تعد فيها الكتابة مصدر خروج عن التقاليد بالنسبة للمرأة أو ينظر لها نظرة أخلاقية مدنسة في تونس. وأدين بهذا للأجيال النسائية التي سبقتني، ونضالات المرأة التونسية في دولة الاستقلال التي نجحت نسبيا في بناء صورة مستقلة عن نفسها، متمسكة بالمكتسبات القانونية وفرصتها في التعليم ووجودها جنبا إلى جنب مع الرجل في كل المواقع، من بينها المجال الأدبي حيث برزت التجارب الأدبية العديدة والمهمة. ولعل نشأتي في عائلة معتدلة منفتحة ومحافظة على بعض القيم التي تحفظ كرامة المرأة. ما جعلني لا أجد رفضا من عائلتي إذ أذكر في بداياتي أن الأديبة فاطمة سليم اتصلت بوالدي وبينت لهما موهبتي في الكتابة الأدبية قبل أخذي لنادي القصة بالوردية، وكان والدي يأخذني بالسيارة للنادي ثم يعود لأخذي بعد انتهاء الورشات وفعاليات الجلسات. ثم انغمست في الحياة الأدبية والإعلام الثقافي دون صعوبات تذكر.

س5_ اهتمامك بالغوص في النفس البشرية في أعمالك ما مرجعيته لديك؟ هل هي قراءتك؟ أم هي قناعتك بأهمية الكتابة من الداخل الإنساني وعنه في الوقت ذاته؟

 النفس الإنسانية عالم من الأسرار وخزان تجارب ذاتية محفوظة في الذاكرة، تختمر في اللاوعي وتأخذ أشكالا مختلفة في التعبيرات الحلمية وفي ردود الأفعال. تعبيرات الإنسان غير منفصمة عن جذوره النفسية. فالمفردات والصور لها وقع ذاتي خاص لأنها مرتبطة بوضعيات وصور سابقة، والأحداث هي انعكاس لمعايشات واقعية. والنص الإبداعي ليس مجرد نحت لغوي أو تشكيل تقني إنه تصوير لعوالم المبدع وتجلياته وارهاصاته يقذفها في شخصياته وشخوصه ويصنع منها العوالم المتخيلة، حيث تلبس ذاته أثوابا عديدة في رحلة تعبيرها عن هموم نفسية وجودية وفكرية. وأحيانا تقوده خيالاته وأحاسيسه لتشكيل الصور الشعرية أوالتشكيلية أو المشاهد المرتبطة بخبراته الفنية الخاصة. فهي تحيلنا إلى فضاءات مر منها ووجوه تطل من فجوات الذاكرة إلى هندسة أمكنة مفتوحة أو مغلقة. فلا إبداع من خارج النفس، إذ يستعين المبدع بحالات عاطفية عاشها أو في ارتباطها بمحيطه فيضفي عليها الكثير من الصدق. 

وفي الآن نفسه هو فنان بارع في إعادة تحويلها وتحويرها في أنسجة متنوعة لحالات وشخصيات ولوحات وغيرها من الفنون. قد يعود هذا لعمق نفسي أتميز به يجعلني أرى الأحداث من الداخل إبداعيا ونقديا، وقد تغذى هذا الجانب بقراءات متعددة تشمل الانسانيات والنظريات الجمالية جعلتني أغوص في عوالم النفس بين طيات اللغة..

س6_إلى أي مدى يؤثر النقد في لحظة الكتابة لديك؟

 لحظة الكتابة هي لحظة اندفاع اللاوعي الخلاق في مسارات مختلفة كالموج المندفع من بحر هادئ يسرد ما يعتمل في الأعماق ويأخذ أشكالا ما، تسبقها حالة من الاختمار والامتزاج الحلمي، إلا أنه اللاوعي المفكر فيه لأنه نتاج خبرات حسية وتصورية وقراءات وأسئلة، و تفكيك وتحليل وفهم وتفسير لوضعيات. فالكتابة تأخذ مسارا ما ووجهة واضحة وحدودا معينة، ثم تواصل رحلة الإبحار، أما النقد فهو كقائد الاوركسترا يضبط ايقاع الكتابة في حالة من التناغم والانسجام والتماسك. 

س7_ هل تعتقدين أن الفلسفات التي سعت لتفسير الواقع الحقيقي تفشل دائما في جعل الإنسان سعيدًا؟

 الفلسفة التي تسعى لتفسير الواقع، تقوم على الشك والريبة من المؤسسات القائمة، وتكون في موضع دحض للاستقرار الظاهر إذ تنتقد القيم التي تسير المؤسسات لتدجين الأفراد و التحكم فيهم والسيطرة عليهم وعلى أفكارهم. وتكشف عن آليات العنف التي ينطوي عليها الواقع ليبدو بصورة مقدسة لا يجب الاقتراب منه، لذلك تكون علاقتها بالواقع علاقة صدامية لن تنجح في تحقيق أهدافها إلا من خلال التأسيس لقيم فكرية تنويرية ثورية كفيلة بإحداث تغيير في الواقع، ولا تقتصر على الأنساق الفكرية التي ترمي الإنسان في عالم دون يقين ودون مرتكزات وجودية صلبة. و لئن عبر السارد عن رؤية نقدية أو فلسفية في تناول بعض المواضيع فهو يحافظ في تقديري على جانب من سعادته حين يعود إلى الفترات الطفولية المدهشة، حيث يرى العالم بمنظاره و تفكيره الأنوي القائم على التخيل وخلخلة الأدوات التي يجدها حوله فهو يستعملها كما يتخيلها لا كما تقدم له. وله تفكيره الخاص والسري، كما أنه يخرج عن حدود الزمان والمكان حين يبعثر الأشياء من حوله وينغمس في اللعب. لا شيء يصف غبطة طفل يتأمل طائرا يأوي لشقوق سقف ما وهو يبني عشه ويطعم فراخه ويعلمها الطيران، أو يكتشف الشمس تطل من وراء الجبل وتنشر النور أو لوحات السماء الحبلى بالأمطار . إنه الأقدر على الاحتفاظ بغبطة الأشياء من حوله 

واحتفاظه بتلك الصور تشحنه بطاقة الحياة والتماهي مع جماليات الحقيقة المرسومة في الكون وأسرارها المرئية الغامضة.. أن تكون سعيدا هو أن تحول العالم من حولك إلى سرديات تشحنك بلحظات الغبطة رغم أنك تقف على شفا حفر الواقع ونتوءاته و سراديبه. وترنو لما يجب أن يكون. س

8_ أين تجد المبدعة هيام نفسها أكثر: 

في القصة القصيرة، أم في النقد الأدبي ؟

 حين أكتب نصوصي القصصية أكون حاملة لهويتي الإبداعية ورؤيتي الخاصة لذاتي و المجتمع والكون. أكون منغمسة مع نفسي وذهني باحثة عن طاقة ما تطل من بين الأسطر لأتناول الواقع وأتخفف من ثقله. أضخ حيوات 


كامنة لأخفف من الألوان الداكنة في واقع متقلب متوتر. بينما النقد غوص في الاشكاليات المطروحة و بحث عن قدرات المبدع الفنية. وتتقاطع التجارب الإبداعية من خلال مرجعيات اجتماعية ثابتة وأخرى إنسانية. كقاصة لا أعيش في كون منعزل ولا أحمل نرجسية مرضية تجعلني أعزف عن اكتشاف ما يكتب وما ينشر. و المبدع إن لم يكن داخله ناقد فهو شخص منبت متقوقع. ومن يدعي الكتابة والعزوف عن النقد ليس سوى نتاج لقيم الواقع المنتجة لفرديات مترهلة.

س9_ ومن كان له النصيب الأوفر في التأثير على تجربتك الشعرية باعتبارك تكتبين الشعر ايضا خلال عمرك أو مشوارك الإبداعي الأدبي؟

 كتبت الشعر في بداياتي، ثم تركته وانصرفت للسرد والنقد، ولكنه ظل يراودني في حالات متقطعة كلمعات تقدح في الروح ترشح بصور ورؤى اقتنصها. ولئن ارتبط الشعر في بداياتي بحالات عاطفية ووجودية، فقد تلبس بعد ذلك بلحظات الدهشة المتطهرة من كل الأدران، وكأنها تصغي إلى أصوات قادمة من الزمن البعيد وتتمثل صورا من ينابيع الطفولة، وتحمل أسئلة تدحض الإجابات الموروثة .. فالحقيقة الشعرية في نسغ تمثلات الذات وشغفها بنحت الرؤى والصور. ومن الشعراء الذين حفروا عميقا في منابع الروح هم شعراء الرومنطيفية الانجليزية على غرار جون كيتس، بيرسي بيرش شيللي، وليام وردزورث،صاموئيل تايلر كولردج وغيرهم من أقطاب موجة الشعر في تلك الفترة لأنهم حققوا ثورة جمالية مهمة، وثاروا على الواقع أيضا.

س10_ ما رأيكِ بالأنترنيت

 ( الشبكة العنكبوتيَّة ) وهل يمكنُ للأنترنيت (الصَّحافة الألكترونيَّة ) أن يحَّلَّ مكانَ الكتاب والصَّحافة الورقيَّة 

( كتب وصحف ومجلات ) ؟؟

الصحافة الالكترونية مهمة لارتباط الاشخاص بالشبكة العنكبوتية واستحواذها على مشاغلهم اليومية. وتعتبر وسيلة تقارب بين المبدعين والمثقفين خاصة إذا كانت تجسد مشاغلهم الفكرية والجمالية المختلفة. وتبقى الوسيلة الأنجع والأسرع لانتشار الإبداع. ومع ذلك فالصحافة الورقية لها تقاليدها الخاصة لارتباط بعض القراء بصحف معينة، وأقلام معينة، كذلك تخضع لعادات ثابتة مثل قراءة الجريدة مع احتساء القهوة. و رغم بحث بعض القراء عن الأخبار الآنية والتحاليل وكل المواضيع عبر النت. إلا أن أهمية الصحافة الورقية تكمن في كونها أرشيفا منظما، وإحالة مرجعية دقيقة يمكن العودة إليها من طرف الباحثين. أما الكتاب الورقي فلا بد منه، إذ نحن من نذهب للكتاب ونحتفظ به. والبحث عنه بين رفوف المكتبات وفي المعارض المختلفة. فكل ما يحويه الورقي محفوظ في حين أن أرشيف بعض المواقع الالكترونية وقتي. 

س11_ ما هي نصيحتك للمواهب الأدبية؟

نصيحتي للمواهب الأدبية هي الصبر ، والأخذ بالنقد، وإعادة الاشتغال على النصوص، التعديل، الاطلاع على التجارب الأدبية والشعرية والمدارس النقدية، وتنويع القراءات، عدم الانضواء في مجموعات تحدد مسارهم الأدبي في وجهة ما، وأرجو لهم التوفيق في رحلة الإبداع الشيقة الأشبه بمغامرة تحتاج لتيقظ دائم.

س12_ آخر كلمة:

 آخر كلمة لي هي تحية عميقة للشعب الكوردي الذي اكتشفت ثقافته مؤخرا، اكتشفت مدى اعتزازه بتراثه، لغته، فنونه، تشبثه بقضيته، المصالحة مع إرثه الحضاري، واستبساله من أجل الحفاظ على هويته.