حوار مع الأديب والشاعر البحريني عبدالحميد القائد


1 قراءة دقيقة

حين بدأت باالحوارات على مجلة هيلما الأدبية كان الغاية والهدف هو الغوص في اعماق من لهم تأثير على الحركة الادبية والثقافية الانسانية كان فضولي ينصب في أن أنهل من شغفهم تجاه الحرف وأن اقتبس من عاطفتهم تجاه الانسان وأقيم رؤيتهم للاعمال الأدبية فأضع بين يدي القارىء خلاصة تجربة عميقة يستفيد منها في رسم طريقه في البداية كنت اخشى ومازلت من ردة فعل البعض حيث إن مجلتنا ناشئة ولا تصل الى البعد المطلوب ولكن حاولت ومازلت أحاول إنه لا مستحيل يقف أمام ما نصبو إليه اليوم نحن في حوار مع قامة أدبية له بصمة عميقة في كل مجالات الأدب الإنساني إنه الشاعر والكاتب والروائي والمترجم المحترف عبد الحميد القائد فيكون سؤالنا المعتاد له س1_ من هو الشاعر والأديب عبدالحميد القائد ....؟
انا ذاك الولد القادم من اعماق الحورة، حي البحارة والبسطاء، حيث تعلمت اولى حروف الوطن الحقيقي. هنا وقفت على البحر فتحولتُ بحرًا، بحرًًا خطفوا لآلئه فخلقت لآلىء خاصة بي، هي الحروف التي عشقتها وحاولت أن أحوّلها دررًا تضيء الدروب التي استحالت الى ظلمة. اتيتُ من هناك حاملًا الحرف الذي أهوى والكلمة التي أعشق فربّما أخلق عوالم تنير ما خفي من أسرار الزوايا وتمتع القلوب والعيون الحالمة بالأجمل في طريق يسوده وجع عظيم. انا الصعلوك الذي يحاول أن يعجن الحرف في تنّورٍ لا يتوقف عن الصخب فربما تبزغ قصيدة أو قصة أو رواية، لا فرق. كل ما يخرج من روحي هو توثيق لجحيم بعض اللحظات. قنابل فسفورية تنير الفضاء أو على الأقل تنعش روحي الموجوعة وتنثر بعض الأمل في هذا الفضاء الذي يزيد عتمةً.
س2_ ديوان عاشق في زمن العطش اخترنا مقطع من قصيدة اسمي نتمنى ان نقف عندها ونتحدث عن انبلاجها ؟إسميلا يعجبني إسميإن كان الأمر خطيراًإسمي منقوش في الزنزانةْاو في كراس السيّافْعمري مليون سنةْمهدورٌ في أقراص الأعصابْفي بحثي عن امرأةٍ قمحيَّةْعن شمسي الحمراء المنفيّةْفي الأزمنةِ السوداء المجنونةْ(عصر القتل المجانْعصر الحب الباكي خلف القضبانْ)(مطرودٌ من نادي الفرحة منذ زمانْ)
هذه القصيدة كُتبت عام 1971 في عز فتوتي وشبابي وهي تعبر عن نفسية انسان وراء القضبان، وبعدها باسبوع واحد تقريبًا كنت وراء القضبان بالفعل، ونُشرت اثناء غيابي في احدى الصحف وظن الكثيرون أنني كتبتها من تلك الجزيرة البعيدة النائمة في أحضان البحر. كانت مرحلة تجريب بالنسبة لي وكتبتها في قمة عنفواني وشغفي بالضوء.
س3_ من خلال مسيرتكم مع ترجمة آداب الشعوب ماذا منحتك هذه التجربة على الصعيد الشخصي ؟ وكيف تستطيع الغوص إلى اعماق النص لتنقله بكل احاسيسه وصوره الى القارىء العربي ؟
ترجمتُ الكثير من القصائد والنصوص الانجليزية وترجمت أيضًا الشعر البحريني الحديث الى اللغة الانجليزية في انطلوجيا الشعر البحريني. استفدت الكثير من المعرفة والخبرة من المامي وقراءاتي باللغة الإنجليزية وترجمت الكثير من النصوص مما اكسبني عمقًا وجرأة. تعتبر ترجمة النصوص الشعرية والسردية من أصعب الترجمات حتى قال البعض أن ترجمة الشعر هو خيانة له. أنه من المؤكد أن ترجمة الأدب وخاصة الشعر يفقد العمل الكثير من جماله وعمقه وخاصة الشعر. انا لا أترجم أي نص شعري دون أن أكون محبّا له وقادر على سبر أغواره مع الاصرار على ترجمة النص نثرًا لأنني أعتقد أن ترجمة الشعر وزنًا يفقد القصيدة الكثير من عوالمه وعمقه.
س4_ ما هو دور الأدب المترجَم في حوار الحضارات ؟
الترجمة كانت وما زالت الوسيلة الفعالة للتواصل بين الشعوب. لولا الترجمة لما اطلعنا على الأدب العالمي والفكر التقدمي ومختلف الايدلوجيات. المترجم شخصية مبدعة ومتفانية لأنه يترجم لنا اجمل ما كُتب باللغات الأجنبية ولا يحصل إلا على القليل جدا مقابل جهده. المترجم له دور فعال في حوار الحضارات والايدلوجيات والأديان وكأنه يحمل في يديه مصابيح الضوء الى العالم.
س5_ الاحتكاك الشعري هو احتكاك ثقافي ادبي معرفي بحيث يحتك الشاعر بشعراء اخرين ومدارس واساليب شعرية أخرى ماهي أوجه الاحتكاك الشعري برأي الشاعر عبدالحميد القائد ؟
الاحتكاك الشعري او الثقافي سواء وجهًا لوجه أو عبر العالم الافتراضي أو قنوات التواصل الإجتماعي في غاية الأهمية لتلاقح الأفكار والرؤى وتبادل التجارب والاساليب الأدبية والشعرية المتغيرة على الدوام. ربما كنت محظوظا بحضوري عددأ جيدا من المؤتمرات واللقاءات الأدبية والشعرية في الوطن العربي التي أفادتني على المستوى الإبداعي وعلى مستوى التعارف الشخصي. في هذا الإطار كان لبرنامج الفيس بوك الذي أنشر فيه كثيرًا دورًا كبيرًا في انتشاري وتعرفي على العديد من المبدعين مما أتاح لي فرصا غنية للتلاقح الفكري والإبداعي. كما كان لمجموعات الواتس اب ايضا دورًا لا يستهان به في تطوري الإبداعي ومن خلال هذه المجموعات تعرفت على الكثير من الأخوة المبدعين، شعراء وكتّاب ومترجمين ونقّاد.
س6_ لا يمكن تقسيم الأدب بحسب الجنس ،والدين ،والعرق لأنه إنتاج إنساني لا ينتمي إلى جنس أو دين أو عرق معين .. فما وجهة نظركم في هذه القضية؟
الفن والشعر والادب فنون عالمية لا يفصلها دين او جنس ..أنها مجال انساني رحب وواسع. الموسيقى مثلًا لا لغة لها ولا لون ..انها تراث البشرية وكذلك الشعر والسرد. لذلك يتطلب من الشاعر والكاتب والفنان أن يكون انسانيًا وأمميًا لا يعترف بالفوارق غير الحس الإنساني والإبداع الإنساني. الطائفية والشعوبية تقتل كل حس ابداعي. لا يمكن للطائفي والمتعصب عرقيًا أن يسمي نفسه مبدعًا لأنه رضي أن يقع في المستنقع.
س7 _ أين هو الأدب العربي من الأدب العالمي….و ما هي المقومات التي يحتاجها الكاتب العربي .. كي يصل إلى العالمية ؟
الأدب العربي وبدون أي تعصب أو مغالاة حقق تطورات ساحقة وأصبح ينافس أو يجاري الأدب العالمي. هناك شعراء وروائيون عرب بالمستويات العالمية بل يتجاوزونها ولكن الحسابات السياسية لها اهداف أخرى. فالصهيونية العالمية تبذل أقصى الجهد لكي لا يصل الأدب العربي الى العالمية إلا إذا كان الكاتب يلبي بعض معاييرهم. نجيب محفوظ مثلًا هذا الروائي العملاق لم يفز بجائزة نوبل إلا بعد أن أيد مبادرة السادات/كامب ديفيد. الجوائز العالمية مع الأسف تسيطر عليها جهات صهيونية تتطلب مواصفات معينة.
س8_ تحول الشاعر والأديب عبدالحميد القائد من الشعر الى الرواية وكانت الباكورة الروائية وللعشق رماد هل نستطيع الاطلاع على تلك المرحلة الانتقالية من الشعر الى الرواية ودوافعها ؟
في الواقع هو ليس انتقالًا بل امتدادًا أو توسعًا أو فتحًا لنوافذ تعبير أخرى، فكلما زادت خبرة وتجربة الشاعر يشعر أن ما بداخله أصبح طوفانًا وبراكين تحتاج الى منافذ تعبير مختلفة. أنا حاولت أن يتزاوج الشعر بالسرد. الشعر عملية تكثيف والسرد تحليق الى عوالم لامتناهية فلو تزاوجا يمكن خلق ابداع أعمق.ففي روايتي الأولى "وللعشق رماد" وروايتي الثانية "طريق العنكبوت" بدأتُ كل فصل بمقطع شعري والروايتان لغتهما شعرية. تجربة ربما جديدة بالنسبة لي انتقدني بعض النقاد عليها بانني في رواياتي ما زلتُ شاعرًا ولم ابرح مكاني كشاعر. في روايتي الثالثة "كان الوقتُ مساءّ (حكاية حب في زمن الكورونا)" حاولت الإنعتاق من صفة الشاعر الى صفة السارد وارجو أن أكون نجحت في ذلك. ولكن سوف أظل شاعرًا بالدرجة الأولى وقبل كل شيء فالينابيع داخلي شعر ونفسيتي ومزاجي مزاج شاعر وأحب أن اسمّى شاعرًا قبل أن اكون روائيًا.
س9_من هم الادباء والشعراء الذين تاثرت بهم ؟ ومازلت تنهل من ابداعاتهم حتي الان كقدوة ومثال لك ؟
مثل كل شعراء جيلي تأثرت في صباي بالشاعر نزار قباني وفي المرحلة اللاحقة أسرني الشعراء العراقيون مثل بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري وشعراء المقاومة وعلى رأسهم محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد والشعراء المصريين امل دنقل وصلاح عبدالصبور والشعراء العالميين مثل لوركا وبريخت وبابلو نيرودا وناظم حكمت وايلوار ورامبو وتي.اس. ايليوت وغيرهم.
س10_ هل ترى أن حركة النقد على الساحة الادبية العربية الآن – مواكبة للإبداع ؟
حركة النقد مع الأسف الشديد متأخرة جدًا ولا تواكب التطور الشعري والادبي من الناحية التقنية في الأساس. كما أن العلاقات الشخصية والشللية اصبح لها تأثير سيء على النقد يرفعون من يشاءون ويدمرون من يشاءون اذا لم يكونوا على شاكلتهم وضمن متطلبات مصالحهم. أجواء أنانية ومريضة تسود الأوساط الثقافية العربية مع شديد الأسف، بلغت حتى محكّمي المسابقات الأدبية.
س11_ما مدى تأثير المرأة على تجربتك الحياتية والشعرية؟
المرأة وما أدراك ما المرأة. المرأة هي الجمال هي العشق هي الكيد هي الخيانة هي القسوة، لكنها هي الالهام والشوق والرغبات، تهيمن على تجربتي الشعرية والأدبية منذ بداياتها. هي تنام في كل حرف في كل صورة في كل خيال وفي كل حدث فانتازي. المرأة هي الوطن والوطن امرأة. الحلم امرأة ..الوردة امرأة والبكاء امرأة.
س12_ما هي النتاجات التي قدمها الشاعر والأديب عبدالحميد للمكتبة الإنسانية والعربية ؟
خلال مسيرتي الإبداعية الطويلة لم اقدم ما كنت اتمنى وقدمت ما كان متاحًا: الدواوين الشعرية: عاشق في زمن العطش، صخب الهمس (مع ترجمة الى اللغة الإنجليزية)، غربة البنفسج (مع ترجمة الى اللغة الإنجليزية)، ، ما عاد شيء يهم. والدواوين غير المطبوعة: رذاذ الدهشة (شعر ومضة)، سر ما رأى، رقص داخل الجسد. والروايات: وللعشق رماد، طريق العنكبوت وكان الوقتُ مساءّ -حكاية حب في زمن الكورونا ( تصدر قريبا). وعلى صعيد الترجمة: اصدرت انطلوجيا الشعر البحريني (اللؤلؤ وأحلام المحار) وهي عبارة عن ترجمة لمختارات لشعراء بحرينيين يكتبون الشعر الحديث الى اللغة الإنجليزية. طبعت الانطلوجيا في الولايات المتحدة وهي من منشورات مركز الشيخ ابراهيم للثقافة والفنون بدعم مشكور من الشيخة مي آل خليفة. كما ترجمت رواية "نوران" للكاتب الروائي فريد رمضان -طيب الله ثراه- ضمن عمل جرافيك ضخم للفنان البحريني جمال عبدالرحيم. بالاضافة الى ذلك ترجمت رسائل فان جوخ الى العربية ونُشرت في صحيفة محلية.
س13_ طبعا اسئلتنا لاتنتهي ونحن في حضرة قامة ادبية وثقافية كبيرة في العالم العربي ولكن نريد الاسترسال اكثر حتى لا نأخذ من وقتكم أكثر ماهي آخر كلمة لأديبنا الكبير لقراء هيلما الأدبية والقراء عامة
بهذه المناسبة الجميلة، يسرني أن أتقدم بخالص شكري وتقديري في البداية الى المشرفين على مجلة هيلما الأدبية وعلى رأسهم الرفيق العزيز غيفارا والى كل أعضاء الجروب المبدعين الرائعين، راجيًا أنني استطعت أن أكون عند حسن ظنهم في اجاباتي على الأسئلة. وأقول أيضا أنني سعدت جدا بهذا اللقاء مع نخبة من أجمل المبدعين الذين أكن لهم كل محبة وتقدير.