الحوار مع الإستاذة والكاتبة اللبنانية فاطمة قبيسي


4 قراءة دقيقة


فاطمة قبيسي

درست الحقوق، لكن لم تعمل بها، عرف عنها مناصرتها للإنسان أينما كان. همّها أن يّبنى مجتمع تسوده الحرّية والحبّ والسلام والعدل والمساواة.

الكتاب شغفها، والقراءة هوايتها، والإنسانيّة رسالتها دائماً.

حياتها مترعة بالفنّ والموسيقا والجمال انطلاقاً من المصالحة مع الذات والآخر. معاً ندخل عالم الأستاذة فاطمة قبيسي من مواليد الجنوب اللبنانيّ.

وجه بشوش مبتسم برغم الوجع والحزن، تنشر الفرح والمحبّة.

من عرفها عرف الطفل الساكن داخلها، ورأى الكفّ المفتوحة للعطاء، والروح التي تبحث عن الآخر لتسنده.

أحلامها أبسط من بسيطة، وأعمق من كهوف الروح، وأوسع من المدى.

نشر السلام والمحبّة والجمال بين البشر بأواصر الإنسانية.

الحلم الأكبر أن تملك مشتل زهور، تقدّم لكلّ من يعرفها من الناس زهرةً عربون محبّة وإخاء وسلام

درست الحقوق، لماذا لم تعملي في المحاماة؟

الحقوق كان اختياري الوحيد للدراسة، لم يكن هناك أيّ توجّه لاختيار آخر، وكنت من بداياتي متأثّرة جدّاً بمقولة غيفارا التالية: "إنّني أحسّ على وجهي بألم كلّ صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا". اعتقدت أنّ دراسة الحقوق هي المدخل للمساعدة برفع الظلم، وبعد سنتين من الدراسة تبيّن لي كما يقول محمود درويش: "ما أشدّ براءتنا حين نظنّ أنّ القانون وعاء للعدل والحقّ".

أكملت الدراسة، لكنّني لم أمارس مهنة المحاماة، فقط منذ بضع سنوات مارستها لسنتين بهدف التعرّف إلى المحاكم، وما يدور داخلها.

انتسبت في حينه إلى مؤسّسات اجتماعيّة تهتمّ بشؤون إنسانيّة، للعمل على تنمية حسّ المطالبة بالعدالة الاجتماعيّة على كلّ المستويات للنهوض بالمجتمع.

الحرب اللبنانية أخذت طابعا طائفيا بغيضاً. كيف كان تأثيرها على فاطمة؟

لبنان بلد متعدّد الطوائف والمذاهب، وهذا ما كان يميّزه في المنطقة عن بقية الدول، فالتعدّدية غنى مع تعدّد الثقافات.

الحرب الأهليّة كانت ظاهريّاً حرباً طائفيّة، لكنّها فعليّاً لم تكن كذلك، فالمؤثّرات الخارجيّة والاتفاقات والصراعات الإقليميّة كانت على الدوام تحدّد مساره، وتشعل له الحروب التي تنفجر في الداخل. هي صراع الآخرين على أرض لبنان، وفي كلّ معركة هويّات متغيّرة للمستفيدين، تتبدّل الأطراف، لكن دائماً صراع الآخرين، وأسهل الطرق للوصول إلى الفتنة العزف على الوتر الدينيّ الطائفيّ، فكما نعلم "الدين أفيون الشعوب" بحالات التعصّب، فالطائفيّة لا تُبنى على الاختلاف في الرأي بل تبنى على التعصب المبتذل للرأي، إنّها ترفض التعايش مع الآخر، وتهدف إلى أقصائه وتهميشه، ولإثبات أنّ الحرب ليست طائفيّة مر لبنان بعدّة معارك لأطراف من نفس الدين والمذهب. 

أمّا بالنسبة لي شخصيّاً فقد نشأت نشأة تعطي الاهتمام الأول للإنسان وقبول كلّ اختلاف، لكنّني تأثرت بداية بهذا الشرخ الكبير من دون أن تتأثّر علاقاتي الاجتماعيّة بذلك، وقد كان لي عدد من أصدقاء الدراسة ينتمون لأديان متعدّدة، لم تتأثّر علاقتي بهم، ولم نسمح لتلك الآفة أن تبعدنا وجدانيّاً،، كما أنّني بدأت حياتي العمليّة بعد حرب سنتين في منطقة تختلف عقائديّاً عن انتمائي الطائفيّ بالهوية، ونشأت في تلك المرحلة صداقات من أديان ومذاهب مختلفة، ومازالت مستمرّة حتى الآن، لأنّ مبادئي أساساً كانت تتّجه نحو الإنسان. نعم كرهت الحرب وتجّارها، لكنّني لم أكره أشخاصاً ينتمون لطائفة أخرى، ومع الوقت والقراءات ومعرفة الحقيقة، تجذّرت ونمت لديّ تلك النظرة الإنسانيّة للجميع، فكرة قبول الآخر واحترام رأيه فقط، واتّجه تفكيري لاستنتاج أنّ الدولة المدنيّة هي ما نحتاج إليها، لأنّها تؤمن المساواة في الحقوق والواجبات للجميع دون أي تمييز، وبذلك لم أتأثّر يوماً بتلك الحرب البشعة على مستوى العلاقات كلّها. 

أنا مع مقولة: لا يهمّني اسمك، لا يهمّني عنوانك، لا يهمّني لونك.

 يهمّني الإنسان، ولو ما لوش عنوان.

فاطمة قبيسي أديبة خلف الكواليس. لماذا حتى الآن تختفي عن الأضواء؟

يستهويني الأدب كثيراً، وللشعر مكانته الخاصّة في نفسي، لكن أديبة خلف الكواليس أعتقد أنّني لم أصل إلى تلك المرحلة، في بعض الحالات الوجدانيّة العميقة جدّاً أدوّن ما أشعر به، وأحياناً بعض البوح الداخليّ، ومن خلاله أحاول أن أشارك بالأمل، السلام، الحب، والتفاؤل.

أحاول إظهار الانفعالات والتعبير عن حبّ، غضب، فرح، حزن، ألم، جنون. 

فقط لأنّني إنسان، وأحيا إنسانيّتي

قال المتنبي:

وخيرُ جليسٍ في الزّمانِ كتابِ

إلى أيّ مدى تتّفقين مع الشاعر؟

للكتب رائحة أشتاق إليها، رائحة التاريخ الهارب منها وإليها، رائحة قصائد حبّ، رائحة رقي ونكهة خاصّة، هو عشق لمحبوب لا يخذل أبداً، ولاستنشاق رائحة الورق متعة غريبة جدّاً. 

لكلّ كتاب عبرة وسرّ مختلف عن غيره، ولكلّ منّا ما يبحث عنه في هذا الكتاب، فالكتاب حاجة لنا، وفي بعض الأحيان نجد أنفسنا نتنقل من قراءة كتاب إلى آخر وفي نفس الوقت، لماذا؟ لأنّنا في الحقيقة نفتّش عن صديق نتحدّث إليه، ليَفهمنا ويُفهمنا. إذن الكتاب كالصديق، وكلّ كتاب يقدّم لنا شيئاً مختلفاً عن غيره، ولكلّ صديق ميّزة خاصّة تميزه عن غيره، أمّا الصديق الأروع فهو الموسوعة التي تعطيك، وتعطيك دون أيّ حسابات أو انتظار مقابل.

القراءة أجمل حالات الحرّية، هي التحرّر من القيود وهيمنة الأفكار، ويساعدنا الكتاب كثيراً، وخاصّة كيفية اختيار المواضيع، في أن نكون الإنسان الذي نتمنّى أن نصل إليه، فهو يغرس في النفس حلم حرّية الفكر، ومتى كان الحلم موجوداً أصبحت المعركة مضمونة.

ما هو مصير الكتاب الورقيّ؟ هل سيقلّ دوره أو ينقرض أو ينهضُ من تحت الرماد؟

يبقى الكتاب الورقيّ الأساس، ولا يمكن أن نستغني عنه، فهو صديق نجده معنا في كلّ مكان، ونقرأه بعمق وروحانيّة، فللورقيّ نكهة غريبة، ولا يمكنك الشعور برائحة الورق في يديك عندما تقرأ كتاباً إلكترونيّاً، ولن تشعر بمتعة التقليب والعودة إلى صفحتك في ثوانٍ قليلة كما هو الحال مع الكتاب الورقيّ.

 أعتقد أنّ الكتاب الورقيّ سيبقى أقوى من الكتاب الرقميّ، فمن سمات الورق الديمومة، والورق جزء لا يتجزّأ من ديمومة القراءة مع عدم نفي تأثير الكتاب الرقميّ عليه، لكن الورقيّ باق متحدّياً كلّ الصعوبات، وذلك مرتبط بقدسية الكتاب الورقيّ وأهمّيته في نشر ثقافة القراءة، إضافة إلى رونقه الخاصّ. 

من يتابعك يرى دفاعك عن المرأة وحرّيتها واستقلاليّتها بشكل خاصّ والإنسان وحرّيته بشكل عامّ. ألم يكن المجال أوسع من خلال ممارسة المحاماة في نصرة المرأة والإنسان؟


كان لدراسة الحقوق فضل كبير في التعرّف إلى القوانين، ومنها مثال واحد، قانون الأحوال الشخصيّة الذي يقوم على الديانات والتمييز ضدّ المرأة بشكل عامّ مع عدم ضمان حقوقها الأساسيّة، وهي منظومة تنتهك حقوق المرأة، وأولها حقّ عدم التمييز بين الإنسان كإنسان بشكل عام. 

القوانين كما قلنا ليست وعاء للعدل، لكن الدراسة عزّزت السبل الواجب اتباعها للوصول إلى الحرية والاستقلاليّة بشكلها الإنسانيّ العام.

 المطالبة بتعديل بعض القوانين التي مرّ عليها الزمن وما تزال كما هي بداية للمطالبة بقانون يضمن واجبات وحقوقاً متساوية في قضايا الأحوال الشخصيّة.

من غير المقبول على من يؤمن بحقوق الإنسان دون أيّ فرق في الواجبات والحقوق أن يقتنع يوماً بقضية الدفاع عن حقوق المرأة، لسبب بسيط وهو الدفاع عن حقوق تُعتبر مكسباً إنسانيّاً، الحقوق تؤخذ، ولا تعطى كالحرية تماماً. 

إذا عجزت المرأة عن الدفاع عن حقوقها بالقوة فإنّها تتحمّل المسؤوليّة كاملة في عدم مساواتها، فتحرّر المرأة من عقدة ذكوريّة المجتمع مرتبطة بقدرتها ومدى استعدادها للتخلّص من الموروث الثقافي الذي زرع في لا وعيها دون إرادتها.

قضايا المرأة اللبنانيّة خاصّة والعربيّة عامّة من خلال تعاملك أو قراءتك عنها.  ما رؤية فاطمة في موضوع المرأة؟ 

قضايا المرأة شائكة جدّاً في المجتمعات الشرقيّة، والسبب يعود للمرأة التي عليها أن تمارس واجباتها وحقوقها من زاوية أنّها إنسان، وليست أنثى. 

بالنسبة للمرأة اللبنانيّة فقد تخطّت الكثير من حواجز المجتمع الذكوريّ، وتعيش وفق إرادتها الحرّة مقارنة بمجتمعات عربيّة مازالت فيها المرأة بحاجة لتصريح من ولي أمرها للسفر أو غيره من الأمور، فالمرأة اللبنانيّة لا تهدأ عن محاولة التغيير في المجتمع، وهي تملك الثقة والمؤهّلات لذلك، وصورتها التحرّرية تنبع من استقلاليّتها التي تنشرها في محيطها، لكنها مازالت مقيدة بقوانين ظالمة.

المرأة اللبنانيّة بشكل عامّ مثقّفة متحرّرة محافظة في الوقت ذاته، وقد حققت نجاحات في مختلف الميادين الاجتماعية، إلّا أنّ الحقّ السياسيّ مازال ناقصاً جدّاً بسبب المجتمع الذكوريّ الذي يخاف أن تقرّر المرأة القويّة الحرّة مصيره.

المرأة اللبنانيّة تميّزت عن باقي النساء في الدول العربيّة بانّها انتزعت حقوقها ومارستها بشكل تلقائيّ، وبالمقابل هي تطالب بتعديل القوانين لصالحها، إضافة لمقاومتها الفكر الأصولي، وقد استطاعت مواجهة ضغوط خارجيّة حملت أفكاراً منغلقة كان بإمكانها القضاء على نموذج المرأة اللبنانيّة، وقد كان لتعدّد الأديان أهمّية كبيرة جدّاً أتاح للمرأة اللبنانيّة ممارسة حقوقها والمطالبة بحقوقها المدنيّة لعدم وجود دين محدّد للدولة اللبنانية.

أخيرا دائماً النصيحة للمرأة في المجتمعات الشرقيّة أن تناضل بلا هوادة، ولا تستسلم، ولا تتوقّف عن العمل لتغيير اجتماعيّ حقيقيّ تستطيع من خلاله التعبير عن نفسها، وأن تشعر بقيمتها في المساهمة في مستقبل ونمو وتطور بلادها. النساء والرجال يصنعون الأوطان جنباً إلى جنب، وعليها ألّا تنتظر الحصول على حرّيتها بل تنتزعها وتمارسها، وألّا تدع شيئاً يوقف طموحها وإرادتها القوية بالتقدّم خاصّة من خلال وجود رجال مستنيرين يناصرون قضايا الإنسان بشكل عامّ، ويبقى الحلم الأكبر المطالبة بدساتير علمانية مدنيّة.


للطفولة في حياتك صولات وجولات. كيف تنظرين إليها؟

إن لم تعودوا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات.

علينا ألّا نحصر، ونقيّد معنى الطفولة، فهي عنوان الفطرة الإنسانيّة، هي ليست مرحلة نمرّ بها، وتنتهي، لكنّها المرحلة الأكثر عمقاً في حياتنا، هي الفترة الممتدّة إلى نهاية العمر، فطفولة القلب سعادة ترافقنا في كلّ مراحل حياتنا، لأنّنا لا نستطيع أن نحبّ إلّا بقلب طفل صادق فوضويّ، وعنوان الطفولة هو الحرّية والبراءة والعفوية والنقاء، هو الجمال والانطلاق لتكوين أسس المجتمع.

يقال: إنّ من أسرار العبقريّة أن نحمل روح الطفولة إلى الشيخوخة للحفاظ على روح الحماس والشغف في حياتنا، والعيش بقوة الآن واللحظة.

طفولتي بشكل خاصّ حملت كلّ تلك المعاني من حرّية وانطلاق وتمرّد، وامتدّت تلك الروح الطفوليّة تضجّ بفرح الحبّ والحياة، إلى أن اختبرت الموت للمرة الأولى، فانسحقت الطفولة أمام هول الصدمة، وبالرغم من ذلك عملت جاهدة على التفتيش عن الروح الطفوليّة بأعماقي، نجحت مبدئيّاً، لكن بعد جهد مؤلم ومضنٍ ووقت ليس بقليل، لذلك أحاول دائماً أن أبقى تلك الطفلة مهما مضى العمر بأحلامي وأمنياتي، وسأبقى طفلة بالابتسامة والأمل والتفاؤل والحبّ، سأبقى طفلة، وأسير في دروب الحياة إلى نهايتها.

الصداقة الممتدّة خارج حدود المكان الجغرافيّ والخلفيّة الاجتماعيّة، وأهمّيتها في حياة فاطمة قبيسي؟

يعجبني كثيراً تعريف فولتير للصداقة: "أيّتها الصداقة لولاك لكان المرء وحيداً،

بفضلك يستطيع المرء أن يضاعف نفسه، وأن يحيا في نفوس الآخرين".

الصداقة من أسمى العلاقات الإنسانيّة، والصداقة الحقيقيّة لا يحافظ عليها إلّا الأحرار، ومن لا صديق له فلا وطن له، فالصداقة وطن. 

أمّا الصداقة خارج حدود المكان الجغرافيّ والخلفيّة الاجتماعيّة فهي غنى وثقافة جديدة ومتنوّعة، فحين نعرف صديقاً من خارج حدود الوطن تصبح لنا أجنحة لوطن آخر وثقافة أًخرى.

الصداقة من خلال الشبكة الإلكترونيّة والصداقات الافتراضيّة المتينة التي أعتبرها صداقات حقيقيّة بكلّ معانيها، ومن شروطها الصدق والشفافية والنقاء، ولها عندي نفس الثوابت من الاحترام والتواصل، فهي ليست كلمات منثورة بل مواقف، ومتى أصبح صديقك بمنزلة نفسك فقد عرفت الصداقة. 

هذا الفضاء افتراضي لا يجانب الواقع أحياناً، لأنّ تلاقي الأرواح بداية هي الحقيقة، ومن حسناته هذا التلاقي الواسع مع مجموعة من أصدقاء مميّزين، والأجمل هو اللقاء بهم، وهذا يعزّز قناعاتي بأنّ الصداقة لا تتجزّأ، وهي نفسها واقعية كانت أو افتراضية، تعود لداخل الإنسان وثقافته وروحه الإنسانيّة والاجتماعيّة، فالفكر يجمع، ونقاء القلوب يقرّب المسافات.

من أجمل الأمثلة صداقة افتراضيّة تحوّلت إلى واقعيّة بل أكثر، أصبحت أخوة، صداقة إخلاص فرنسيس التي أفتخر، وأعتزّ بصداقتها الغالية، فقد عملت بكلّ جهد على تحقيق حلم اللقاء.

...


الحبّ هو العاطفة التي تشدّنا نحو الآخر، الإنسان الطبيعة والله؟ تعريف الحبّ في قاموسك؟ 

الحبّ هو الحقيقة في تاريخ البشريّة، لكن تعريفه صعب، لأنّ المشاعر الإنسانيّة تتأثّر بالعديد من الأمور النفسيّة والاجتماعيّة والبيولوجيّة والذاتيّة، وتختلف من مجتمع لآخر، لكن يبقى الحبّ الهدف الأسمى الذي تجتمع عليه البشريّة جمعاء، وهو ليس مقتصراً فقط على حبيب بالمفهوم التقليديّ، فعندما ندرك أنّ الله محبّة، وأنّنا خلقنا من الحبّ وللحبّ والعطاء، 

عندها فقط نُحبّ دون شروط ولا أحكام ولا تصنيفات.

 نُحبّ في مختلف الحالات والأحوال، نُحبّ من أجل ارتقاء أنفسنا لرتبة إنسان، فأنا أحبّ لأنّني مغمورة بالحبّ، موصولة بنبع الحبِّ السرمديّ في عشقي للخالق، وحبّي للكون والخلق، مجرّد قبلة سماويّة على جبهة الكون، تدفّق حبّ سماويّ يجري عبري وليس منّي حتى أطلب من الآخر ثمنه أو عوضه.

 امنحِ الحبّ دائماً، واجعله دستور حياة، ودين عقيدة وطوق نجاة، وسوف تكون أول من يحصد السعادة بين يديه، لأنّ كلّ شيء إلى زوال، ويبقى الحبّ.

بيروت المدينة التي تحبّين، مصابها جلل. كيف تضمّدين جرحك وجرحها؟

بيروت مدينتي التي أعشق، بيروت المرأة والثورة والثقافة والجمال، كما أراني أشبه بيروت في تفاصيلها، احترقت بيروت، واحترق كلّ شيء فيها، احترقت النساء والأطفال والرجال والجمال حتى البحر احترق. من الذي تجرّأ على ظلم بيروت؟ من الذي استطاع أن يقصّ ضفائر بيروت ولمس أصابعها؟ وبيروت لا يليق بها كلّ هذا الدمار، جراح بيروت لا يضمّدها إلّا اتّحاد أبنائها بكلّ فئاتهم وانتماءاتهم بثورة مدنيّة عارمة ضدّ الظلم والفساد، هو الشعب الذي سيرمّم الجراح خارج مافيات زعماء الطوائف الذين يتاجرون بدماء الضحايا. 

حجم الكارثة كبير، لكن بيروت تحاول تضميد جراحها، تداوي أولادها الموجوعين، بيروت ستنهض من كبوتها كما كلّ مرة، ستعود عروس الشرق، محميّة بمحبّة أبنائها، وبقيم الحرّية وشموخ الأرز وصنّين، ستنهض من اللهب والرماد كالعنقاء بعد أن تسحق كلّ الأنذال، وستتبختر بين البحر والجبل كما عهدناها دائما، ومهما حاولوا فسترتفع عن الجراح، وتعود عاصمة الحبّ والحضارة والثقافة والحياة.

لبنانيّة بكلّ عز وافتخار، لبنانيّة وراسي يطال السماء، أنا بنت شجر الأرز الخالد الشامخ الذي لا تلويه رياح الكون وأعاصيره.

لا تهزّه زلازل الأرض وبراكينها، هدموا الحياة، لكنّهم لم ولن يقتلوا الأمل بالنهوض والتغيير والغد المشرق. 

بيروت الشمس التي لا تغيب، بيروت ينبوع الحياة ومدينة الحبّ.


هل تؤمنين بدور الفنّ في التغيير نحو الأفضل؟

الفنّ إبداع، والفنان مبدع، ونحن نعلم أنّ الفنّ هو مرآة المجتمع، فالفنان المبدع هو الذي يُحدث ذلك التأثير الإيجابيّ في المجتمع والناس متجاوزاً الأحداث السلبيّة والحالة المجتمعيّة بقدرته الإبداعية القادرة على نقل الناس من الواقع السلبيّ إلى الواقع الإيجابي.

الفنّ والإبداع تعبير إنسانيّ عن الذات، وفيه تُترجم أحاسيس المحبّة، فبه ننتقل إلى عالم آخر جميل، يحاكي الخير والجمال، فإنّ الفنّ يخفّف الألم، ويطرد الخوف لارتباطه بلحظة تجلٍّ بالكون والوجود، إنّه التعبير عن الحياة والحقيقة.

بما أنّ الفنّ يعبّر عن حالة نبتعد بها وعن لحظة نغيب معها عن الزمان والمكان، فنرى نوراً بعيداً يتألّق، ويزداد كلما استغرقنا فيه بتجلٍّ كامل، إنّه ومضة الحياة الممتلئة بطاقة نورانيّة شفافة، وليس بإمكان العقل أن يدركها، إنّها تجسيد لحظات الروح والمشاعر، والتوحّد مع الوجوديّة الكونيّة.

الإبداع لا يقتصر على الفنون المعروفة من رسم وأدب وغيره، بل هو أيضاً عمل ثوريّ يتمثّل في دوره بإيصال رأي الشعب، وحقّه الحرّ في التعبير عن رأيه ضدّ الظلم والقمع والسيطرة.

شخصيات أثرَتْ حياتك، وأثّرتْ فيها؟

لكلّ شخص يمرّ في حياتي دائماً بصمة وأثر كبير جدّاً يختلف من شخص لآخر، ومن الجميع أتعلّم، لكن لا مجال الآن للحديث عنهم جميعاً، وهنالك بعض الأشخاص الذين يمرّون ويتركونني شخصاً آخر، ويكون لهم فضل كبير في إحداث تغييرات في الفكر والمنهج وأسلوب الحياة، وهذا ما مررت به فعلاً من خلال صديقين افتراضيين أساساً بتغيير كامل في المعرفة الكونيّة الإلهيّة التي كنت أفتّش عنها طويلاً أدّت إلى الانتقال من الظلام إلى النور، ومثلهم لا يستحقون سوى الحبّ ولا نملك أمامهم سوى أن نحبّ.

كذلك لا أنسى مهنيّاً عدداً من المسؤولين الإداريين الذين كان لهم الفضل الكبير في التربية المهنيّة الشفافة التي أوصلتني إلى ما أنا عليه الآن مهنيّاً.  

أمّا التأثير الأقوى فهو لأبي الحبيب الأول والأخير الذي أُدين له بكلّ ما أنا عليه الآن من حماس وحرّية واستقلاليّة ومسؤوليّة. كلّ حرّيتي استمددتها

من أبي العظيم الذي أعطاني إرثاً معنويّاً لا يقدّر بثمن، منحني الحرّية الكاملة على كلّ المستويات الاجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة. كان يدفعني للبحث قبل الاختيار، كان الصديق الذي أستشيره بكلّ الأمور، فيترك لي حرّية الاختيار لأتعلّم من الخطأ، ومنذ الطفولة منحني تلك الحرّية، هو من علّمني الابتعاد عن كلّ التقاليد والموروثات البالية، والتوجّه الى ما يرضيني ويناسبني دون أن أتسبّب بأيّ أذى لغيري. عرّفني إلى الله والمحبّة الساكنة في التقرّب من الله. أفتقده كثيراً، لكن روحه وكلماته دائماً تدفعني إلى الأمام.

أمّا من الشخصيّات العامّة التي أثرَت، وأثّرت في حياتي بشكل عامّ فأذكر بعضاً منها: تشي غيفارا، نيلسون مانديلا، مارتن لوثر، وغاندي.


ما الأحلام التي لم تحققيها، وتسعين إلى تحقيقها؟

بداية هناك هدف أول وأساسي هو الله ومعرفة النفس دائماً بكلّ تقلّباتها، وإرادة الهدف معرفة ما لا يُعرف، ورؤية ما لا يُرى. 

وكما يقول محمود درويش: "ولنا أحلامنا الصّغرى، كأن نصحو من النّوم معافين من الخيبة. لم نحلم بأشياء عصيّة".

فالأحلام والسعي لتحقيقها تجعلنا نعيش واقعاً جميلاً، والأحلام لا تتوقّف، لكنّها تتطوّر وتتغيّر تبعاً للحياة، والطموح هو أساس الأحلام، وما زلت أحلم دائماً بمتابعة حياتي بنجاح وسلام.

الخيال من طبعي، أحاول أن أصل به إلى الواقع، حلمي الآن العيش بمجتمع حرّ خالٍ من العبوديّة والظلم، مليء بالحبّ والإبداع، مجتمع خالٍ من التعقيدات، خالٍ من كلّ التقاليد الموروثة على كلّ المستويات، أحلم بعالم المحبّة، لا طوائف، لا حدود ولا بلدان، الكلّ فيه سواسية، تحكمه الإنسانيّة وحدها.

كما أنّني أحلم وأسعى جاهدة أن أترك أثراً إيجابيّاً في هذه الحياة من خلال تعامل الله نفسه بداخلي وروحي، إنّه الحلم الذي أعمل على تحقيقه في كلّ لحظة من لحظات حياتي. 

والحلم الذي يراودني منذ زمن هو بيع الورد، كنت أسعى لأصل إليه في بلدي، وأرسم به البسمة والحبّ والفرح في قلوب وأرواح الجميع.


كلمتك الأخيرة؟

الكلمة الأخيرة شكري وتقديري للصديق غيفارا معو، ولموقع أنا شيوعي من كوردستان على هذه الثقة، وكلّ الشكر والامتنان الأديبة الصديقة إخلاص فرنسيس على ثقتها ودعمها وجهدها الدؤوب. 

لنعمل معاً لنشر الإنسانيّة والعدالة التي تحيا بالإيمان والمحبّة، ودعونا نردّد دائماً مع جبران خليل جبران: 

"إذا الحبّ أومأ إليكم فاتبعوه حتى وإن كانت مسالكه وعرة وكثيرة المزالق.

وإذا الحبّ لفّكم بجناحيه فاطمئنّوا إليه، حتى وإن جرحتكم النصال المخبوءة تحت قوادمه، وإذا الحبّ خاطبكم فصدقوه، حتى وإن عبث صوته بأحلامكم كما تعبث

ريح الشمال بأزهار الحديقة، ومثلما يتسلّق الحبّ أعاليكم، فيدغدغ أغصانكم اللدنة

المرتعشة في الشمس، هكذا ينحدر إلى أعماقكم فيهزّ جذوركم في الأرض هزّاً عنيفاً".

وقال ميخائيل نعيمة:

"كلُّ ما في الطّبيعةِ ثمين وجميل وشريف، لكن أثمنه وأجمله وأشرفه على الإطلاق هو الإنسان".